التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصحيح مفهوم في ترتيب الأولويات في حياتنا, العلوم المادية إنموذجا: أَ

تصحيح مفهوم في ترتيب الأولويات في حياتنا, العلوم المادية إنموذجا: أَصْلُ هَذِهِ المَادَّةِ: التَّقْدِيمُ بِمُقَدِّمَةٍ مُهِمَّةٍ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى «كِتَابِ العِلْمِ» مِنْ صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، أُلْقِيَتْ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ بِلادِي. --نشرت بإذن صاحبها كِتَابُ العِلْمِ (التَّرْغِيبُ فِي العِلْمِ وَطَلَبِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَمَا جَاءَ فِي فَضْلِ العُلَمَاءِ وَالمُتَعَلِّمِينَ) مُقَدِّمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا: العِلْمُ مَعْرُوفٌ، ضِدَّ الجَهْلِ، وَالعِلْمُ أَصْبَحَ اسْمًا عَلَى أَجْنَاسِ المَعْرِفَةِ المُخْتَلِفَةِ: رِيَاضِيَّاتٍ، أَحْيَاءٍ، فِيزْيَاءٍ، كِيمْيَاءٍ، فَلَكٍ... هَذَا مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ عَنِ العِلْمِ أَنَّهُ العُلُومُ التَّجْرِيبِيَّةُ أَوِ التَّطْبِيقِيَّةُ أَوِ المَادِّيَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَإِذَا قِيلَ «كُلِّيَّةُ العُلُومِ» فَمَعْنَاهَا أَنَّهُ يُدَرَّسُ فِيهَا هَذِهِ العُلُومُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حِينَ يَصِلُ أَبْنَاؤُهُمْ لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ يَزْرَعُونَ فِي رُؤُوسِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ نِسْبَةٍ عَالِيَةٍ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ لِدُخُولِ الكُلِّيَّاتِ العِلْمِيَّةِ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى التَّارِيخِ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَأَشْبَاهِهَا نَظْرَةً دُونِيَّةً؛ لِدَرَجَةِ أَنتَمَّ ضَبْطُ المَادَّةِ بِالتَّشْكِيلِ التَّامِّ، وَتَصْحِيحُ الأَخْطَاءِ الإِمْلَائِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ، مَعَ تَنِسيقِهَا فِي فِقَرَاتٍ مُتَنَاسِقَةٍ وَإِبْقَاءِ المَعْنَى وَالأُسْلُوبِ الأصْلِيِّ كَمَا هُوَ: أَصْلُ هَذِهِ المَادَّةِ التَّقْدِيمُ بِمُقَدِّمَةٍ مُهِمَّةٍ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى كِتَابِ العِلْمِ مِنْ «صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ»، أُلْقِيَتْ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ بِلَادِي. كِتَابُ العِلْمِ (التَّرْغِيبُ فِي العِلْمِ وَطَلَبِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَمَا جَاءَ فِي فَضْلِ العُلَمَاءِ وَالمُتَعَلِّمِينَ) مُقَدِّمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا: العِلْمُ مَعْرُوفٌ ضِدُّ الجَهْلِ، وَالعِلْمُ أَصْبَحَ اسْمًا عَلَى أَجْنَاسِ المَعْرِفَةِ المُخْتَلِفَةِ: رِيَاضِيَّاتٌ، أَحْيَاءٌ، فِيزْيَاءٌ، كِيمْيَاءٌ، فَلَكٌ... هَذَا مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ عَنِ العِلْمِ أَنَّهُ العُلُومُ التَّجْرِيبِيَّةُ أَوِ التَّطْبِيقِيَّةُ أَوِ المَادِّيَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَإِذَا قِيلَ «كُلِّيَّةُ العُلُومِ» فَمَعْنَاهَا أَنَّهُ يُدَرَّسُ فِيهَا هَذِهِ العُلُومُ. وَلِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حِينَ يَصِلُ أَبْنَاؤُهُمْ لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ يَزْرَعُونَ فِي رُؤُوسِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ نِسْبَةٍ عَالِيَةٍ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ لِدُخُولِ الكُلِّيَّاتِ العِلْمِيَّةِ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى التَّارِيخِ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَأَشْبَاهِهَا نَظْرَةً دُونِيَّةً؛ لِدَرَجَةِ أَنَّ صَاحِبَ البَكَالُورْيُوسِ المُمَاثِلِ المُلْتَحِقِ بِالكُلِّيَّاتِ العِلْمِيَّةِ يُعَيَّنُ عَلَى الدَّرَجَةِ الوَظِيفِيَّةِ الثَّامِنَةِ، وَصَاحِبَ التَّارِيخِ وَاللُّغَاتِ يُعَيَّنُ عَلَى الدَّرَجَةِ السَّابِعَةِ؛ فَيَبْقَى أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ تَقَارِيرِ الكَفَاءَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِصَاحِبِ الكُلِّيَّاتِ العِلْمِيَّةِ، وَهَكَذَا. وَبَعْضُ المَدَارِسِ تُسَمِّي نَفْسَهَا «مَدْرَسَةَ العُلُومِ الحَدِيثَةِ»، أَوَّلَ مَا يَسْمَعُ بِذَلِكَ وَلِيُّ الأَمْرِ يَقُولُ: «آهِ، لَا بُدَّ أَنَّهُمْ سَيُدَرِّسُونَ الحَاسُوبَ وَلَدَيْهِمْ مَعَامِلُ تَجَارِبَ»، وَهَكَذَا يُسَجِّلُ ابْنَهُ فِيهَا وَيَنْظُرُ إِلَى المَدَارِسِ الأُخْرَى وَمَنْ يَدْرُسُونَ فِيهَا مِنَ الأَبْنَاءِ نَظْرَةً دُونِيَّةً. وَلَوْ أَرَادَ أَصْحَابُ هَذَا المَفْهُومِ القَاصِرِ بِتَفْضِيلِ العُلُومِ المَادِّيَّةِ إِدْخَالَ الدِّينِ مِنْ أَجْلِ إِضْفَاءِ طَابَعٍ مُمَيَّزٍ عَلَى مَنْهَجِيَّتِهِمْ هَذِهِ قَالُوا: «اللهُ فَضَّلَ العِلْمَ، وَالعُلَمَاءُ أَخْشَى النَّاسِ لِلَّهِ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}». وَلَوْ فَكَّرُوا قَلِيلًا لَقَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ مَنْ تَعَلَّمَ هَذِهِ العُلُومَ أَكْثَرَ خَشْيَةً لِلَّهِ، وَحِصَّةُ القُرْآنِ فِي مَدَارِسِ العُلُومِ الحَدِيثَةِ حِصَّةٌ إِضَافِيَّةٌ، وَحِصَصُ التَّرْبِيَةِ الإِسْلَامِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وَبَاقِي المَوَادِّ تُدَرَّسُ بِلُغَةٍ إِنْجِلِيزِيَّةٍ، وَقَدْ لَا يُذْكَرُ اللهُ فِي تِلْكَ الحِصَصِ إِلَّا نَادِرًا؟! مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هُنَاكَ فَهْمًا مَغْلُوطًا، وَاخْتِلَاطًا فِي المَفَاهِيمِ. وَحَتَّى نُثْبِتَ ذَلِكَ نَسْأَلُ سُؤَالًا: مَا أَشْرَفُ العُلُومِ وَأَفْضَلُهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؟ سَيَتَذَاكَى مُتَذَاكٍ فَيُجِيبُ وَيَقُولُ: «أَشْرَفُ العُلُومِ القُرْآنُ القُرْآنُ». وَنَقُولُ لَهُ: إِجَابَتُكَ صَحِيحَةٌ لَكِنْ غَيْرُ دَقِيقَةٍ؛ فَالقُرْآنُ لَيْسَ فِيهِ — فِيمَا نَعْلَمُ — تَفَاصِيلُ الفِيزْيَاءِ وَالكِيمْيَاءِ وَالأَحْيَاءِ وَالفَلَكِ وَالهَنْدَسَةِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَشْرَفَ العُلُومِ وَأَفْضَلَهَا بِحَسَبِ نَظْرَةِ أَصْحَابِ تَفْضِيلِ العُلُومِ المَادِّيَّةِ؟ وَهُنَاكَ مُتَذَاكٍ آخَرُ سَيَخْرُجُ وَيَقُولُ: «القُرْآنُ كِتَابُ دِينٍ، يَعْنِي كِتَابَ آخِرَةٍ، مَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِالعِلْمِ!». وَنَقُولُ لِهَذَا أَيْضًا: إِجَابَتُكَ غَيْرُ دَقِيقَةٍ. سَتَقُولُونَ: حَيَّرْتَنَا! إِذَنْ مَا الجَوَابُ الصَّحِيحُ؟ مَا أَشْرَفُ العُلُومِ وَأَفْضَلُهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؟ الجَوَابُ بِلَا مِرْيَةٍ: العِلْمُ بِاللَّهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. كَيْفَ؟! هَذَا الكَلَامُ مَا سَمِعْنَا بِهِ فِي عُمْرِنَا! نَعَمْ، أَشْرَفُ العُلُومِ العِلْمُ بِاللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَبْلَ أَنْ تُوصِدَ قَلْبَكَ وَعَقْلَكَ، تَعَالَ نَتَفَاهَمْ بِهُدُوءٍ: عُلُومُ الكِيمْيَاءِ الَّتِي تَدْرُسُ الذَّرَّاتِ وَالتَّفَاعُلَاتِ وَغَيْرَهَا، وَعُلُومُ الفِيزْيَاءِ الَّتِي تَدْرُسُ خَصَائِصَ المَادَّةِ وَتَحَوُّلَ الذَّرَّاتِ إِلَى طَاقَةٍ، وَعُلُومُ الأَحْيَاءِ الَّتِي تَدْرُسُ الحَيَوَانَ وَالنَّبَاتَ وَالإِنْسَانَ حَتَّى الكَائِنَاتِ الدَّقِيقَةَ... وَهَكَذَا، كُلُّهَا عُلُومٌ تَشْتَرِكُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ هُوَ أَنَّ مَا تَدْرُسُهُ مَخْلُوقَاتٌ، وَالمَخْلُوقُ فَانٍ، فَهِيَ فِي الجُمْلَةِ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ مَا تَدْرُسُهُ. وَالمَخْلُوقَاتُ دَارُ أَكْثَرِهَا الدُّنْيَا، وَالدُّنْيَا تَفْنَى، وَدِرَاسَةُ تَفَاصِيلِهَا تَحْتَاجُ إِلَى أَعْمَارٍ مَعَ عُمْرِ الإِنْسَانِ، وَرُبَّمَا دَرَسَ البَاحِثُ مَوْضُوعًا وَمَاتَ وَلَمْ يُكْمِلْهُ. وَمَوَاضِيعُ هَذِهِ العُلُومِ يَطْرَأُ عَلَيْهَا تَغْيِيرَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَهِيَ لَيْسَتْ ثَابِتَةً، وَتَتَأَثَّرُ بِخَلْفِيَّاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ وَنَظَرِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُلَّ يَوْمٍ هُنَاكَ جَدِيدٌ. وَالحَيَاةُ بِدُونِ بَعْضِ أَبْحَاثِهَا تَسْتَقِيمُ؛ مَاتَ أُنَاسٌ نَعْرِفُهُمْ وَلَمْ يُدْرِكُوا زَمَنَ الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ مَثَلًا، فَهَلْ تَضَرَّرُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا زَمَنَهُ؟ وَإِنَّمَا حَاجَةُ الإِنْسَانِ إِلَى هَذِهِ العُلُومِ المُهِمَّةِ — بِلَا شَكٍّ — إِلَى مَا يُصْلِحُ بِهِ مَعَاشَهُ وَدُنْيَاهُ، وَهُوَ لَيْسَ خَالِدًا فِي الدُّنْيَا. أَمَّا العِلْمُ بِاللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَهُوَ عِلْمٌ بِالخَالِقِ لَا بِالمَخْلُوقِ؛ لِهَذَا كَانَ العِلْمُ بِاللَّهِ أَشْرَفَ. فَضْلُ العِلْمِ بِاللَّهِ عَلَى عُلُومِ الدُّنْيَا كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، لَا وَجْهَ مِنْ وُجُوهِ المُقَارَنَةِ! العِلْمُ بِاللَّهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَقَدْ يَعِيشُ إِنْسَانٌ مَا عَرَفَ شَيْئًا مِنَ الكِيمْيَاءِ حَيَاتَهُ وَلَا يَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَفَاهُ مُؤْنَةَ دِرَاسَةِ الكِيمْيَاءِ، فَهُوَ يَشْرَبُ دَوَاءً مَصْنُوعًا لَا يَعْرِفُ مَا فِيهِ مِنْ مَوَادَّ، وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُؤَثِّرُ فِي الشِّفَاءِ وَيَتَنَاوَلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ سَيَتَضَرَّرُ. الُعُلُومُ الدُّنْيَوِيَّةُ مَنْفَعَتُهَا قَاصِرَةٌ عَلَى الدُّنْيَا، لَكِنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، بَلْ لَا تَسْتَقِيمُ حَيَاتُهُ البَدَنِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ إِلَّا بِهَذَا العِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي حَاجَةُ الإِنْسَانِ إِلَيْهِ حَاجَةُ فَاقَةٍ وَافْتِقَارٍ. قَدْ تَقُولُونَ: أَلَيْسَ أَبْنَاؤُنَا يَدْرُسُونَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالحَجَّ؟ نَعَمْ، لَكِنَّ تَعَلُّمَ العِبَادَاتِ هُوَ تَعَلُّمُ مَا يُوَصِّلُ إِلَى اللَّهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَهَمِّيَّةِ العِبَادَاتِ، وَتَرْكُ تَعَلُّمِ الضَّرُورِيِّ لِلْعَبْدِ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ يَضُرُّ بِهِ كَثِيرًا، لَكِنَّ تَعَلُّمَ مَسَائِلِ العِبَادَاتِ عِلْمُ مَا يُوَصِّلُ إِلَى اللَّهِ، وَالعِلْمُ بِاللَّهِ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْ هَذَا، لَيْسَ اسْتِنْقَاصًا مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنَّ المَقْصُودَ بَيَانُ الحَقِيقَةِ؛ العَبْدُ كُلَّمَا كَمُلَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللَّهِ وَكَمُلَتْ مَعْرِفَتُهُ بِمَا يُوَصِّلُ إِلَيْهِ ارْتَقَى الدَّرَجَاتِ العُلَا عِنْدَ اللَّهِ. لَكِنْ نَحْنُ اليَوْمَ نُصَلِّي وَفِينَا الكَذَّابُ، نُصَلِّي صَلَاةً بِلَا خُشُوعٍ! لِمَاذَا صَلَاةً بِلَا خُشُوعٍ مَعَ أَنَّنَا نُؤَدِّيهَا كَمَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الفِقْهِ؟ لِأَنَّنَا أَتْقَنَّا مَا يُوَصِّلُ إِلَى اللَّهِ، وَعِلْمُنَا بِاللَّهِ فِيهِ خَلَلٌ. العِلْمُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوَلَّى اللهُ بَيَانَهُ، بَيْنَمَا تَرَكَ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ عُلُومِ الدُّنْيَا لِلإِنْسَانِ يَسْتَكْشِفُهَا بِعَقْلِهِ؛ لِذَلِكَ كَانَ العِلْمُ بِاللَّهِ أَشْرَفَ مِنْ عُلُومِ الدُّنْيَا. أَيْنَ بَيَّنَ اللهُ العِلْمَ بِهِ؟ فِي الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وَأَشْرَفُهَا القُرْآنُ. تَفَاصِيلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ كَثِيرٌ مِنْهَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي القُرْآنِ بَلْ فِي السُّنَّةِ، وَمَسَائِلُ العِلْمِ بِاللَّهِ مُفَصَّلَةٌ تَفْصِيلًا دَقِيقًا فِي القُرْآنِ، وَفِي السُّنَّةِ أَيْضًا. وَلَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُحْصِيَ آيَاتِ الأَحْكَامِ مِنَ القُرْآنِ — الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ آيَةٍ — لَوَجَدْتَ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ أَمَامَ بَقِيَّةِ الآيَاتِ. وَلَوْ تَعَمَّقْتَ فِي العِلْمِ بِاللَّهِ لَرُبَّمَا خَالَجَكَ شُعُورٌ أَنَّكَ فِي حَيَاتِكَ فِي الإِسْلَامِ — مَعَ أَنَّكَ كُنْتَ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُؤَدِّي الفَرَائِضَ — لَمْ تَذُقْ طَعْمَ الإِسْلَامِ الحَقِيقِيَّ! أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ مَاتُوا، وَأُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ ضَاعُوا مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّنَا مُسْلِمُونَ»، وَهُمْ كَذَلِكَ مُسْلِمُونَ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ ضَاعُوا مَعَ أَنَّهُمْ فِي بِلَادٍ مُسْلِمَةٍ، وَمَاتَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَذُقْ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَأَحْلَى مَا فِي الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا مَا يُوَصِّلُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَفَاتَهُمْ نَصِيبٌ كَبِيرٌ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ. مُنْذُ يَوْمَيْنِ جَاءَتْنِي زَوْجَتِي تَقُولُ لِي: «سَمِعْتُ هَذَا المَقْطَعَ» — أَسْمَعَتْنِي مَقْطَعَ بَثٍّ فِي إِحْدَى القَنَوَاتِ الفَضَائِيَّةِ اللِّيبِيَّةِ يَقُولُ فِيهِ صَاحِبُهُ: إِنَّ لِيبْيَا يُقَالُ عَنْهَا إِنَّهَا بَلَدُ الحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ مِنَ المَفْرَحِ أَنَّهَا بَلَدُ القُرْآنِ أَيْضًا، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ فِي المُسَابَقَاتِ الدَّوْلِيَّةِ يُسْأَلُ: هَلْ هُنَاكَ مُتَسَابِقٌ لِيبِيٌّ أَمْ لَا؟ يُقَالُ: لِمَاذَا؟ يُقَالُ: لِأَنَّهُ فِي الأَغْلَبِ سَيَحْصُلُ عَلَى المَرْتَبَةِ الأُولَى، وَبَعْضُ المُلَاحِظِينَ عَلَى المُسَابَقَاتِ الدَّوْلِيَّةِ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَهُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مُتَسَابِقٌ لِيبِيٌّ، لَيْسَ كَرَاهِيَةً لَهُمْ، بَلْ مَقْصِدُهُ الإِتْقَانُ الَّذِي هُمْ فِيهِ لِدَرَجَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا فُرْصَةً لِغَيْرِهِمْ. هِيَ تَظُنُّ أَنَّنِي مُنْسَجِمٌ مَعَ المَقْطَعِ، وَأَنَا تَفْكِيرِي فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى بَعِيدَةٍ، قَالَتْ لِي: «كَلَامٌ جَمِيلٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» قُلْتُ لَهَا: «لَا». لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ تَبَجُّحًا وَلَا اسْتِنْقَاصًا، فَحِفْظُ القُرْآنِ وَإِتْقَانُهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ، لَكِنَّ القُرْآنَ لَمْ يُنْزِلْهُ اللهُ لِيَكُونَ لِلتِّلَاوَةِ فَقَطْ، بَلْ عَرَّفَ اللهُ نَفْسَهُ لِخَلْقِهِ مَا شَاءَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِهِ مِنْ خِلَالِ هَذَا القُرْآنِ. جَاءَ الثَّنَاءُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ بِأَنَّهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، لَكِنْ ذَمَّ اللهُ أَقْوَامًا فَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}، فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُهُمْ لِلتَّوْرَاةِ حَسَنًا مَعَ تَرْكِهِمْ مَا فِيهَا إِلَّا مَذَمَّةً لَهُمْ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ. وَقَالَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}؛ فَشَبَّهَ الأَوَّلِينَ بِالحِمَارِ وَهَذَا بِالكَلْبِ. نَعُودُ إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: «الكِيمْيَاءُ وَالفِيزْيَاءُ تَدُلُّ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا»، فَنَقُولُ: لَيْسَ دَائِمًا! اليَوْمَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ قَلِيلَةٍ مِنَ المُمَارِسِينَ أَوْ المِتَخَصِّصِينَ فِي هَذِهِ العُلُومِ مُلْحِدُونَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ خَالِقٍ لِلْكَوْنِ، يَقُولُونَ: «نَشَأَ الكَوْنُ مِنْ انْفِجَارٍ حَصَلَ صُدْفَةً وَتَطَوَّرَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الآَنَ». فَإِنْ قُلْتَ لَهُمْ: «الكَوْنُ نِظَامُهُ دَقِيقٌ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا النِّظَامُ البَدِيعُ صُدْفَةً؟» فَيَقُولُونَ: «صُدْفَةً»، وَيُجَادِلُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَدُورُونَ بِكَ مَسَافَاتٍ وَمَسَافَاتٍ لِيُقْنِعُوكَ! فَلَوْ كَانَتِ العُلُومُ الَّتِي وَصَفَ اللهُ أَصْحَابَهَا أَنَّهُمْ أَخْشَى النَّاسِ لِلَّهِ هُمْ عُلَمَاءَ الفِيزْيَاءِ، لَمَا وَجَدْنَا جَمَاعَةً غَيْرَ قَلِيلَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مُلْحِدِينَ. خُلَاصَةُ الكَلَامِ: أَشْرَفُ العُلُومِ العِلْمُ بِاللَّهِ، وَمَصْدَرُ العِلْمِ بِاللَّهِ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. وَاللهُ فِي الإِسْلَامِ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَتَيْنِ: 1. نِعْمٌَُ أَنْ تَعْرِفَ مَا شَاءَ أَنْ يُعَرِّفَكَ بِهِ عَنْهُ. 2. نِعْمَةُ كََيْفَ تَصِلُ إِلَيْهِ. وَالقُصُورُ الَّذِي عِنْدَنَا بِسَبَبِ تَعَلُّمِنَا كَيْفَ نَصِلُ إِلَيْهِ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي العِلْمِ بِهِ وَتَفْضِيلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. هَلْ مَعْنَى ذَلِكَ تَرْكُ الكِيمْيَاءِ وَالعُلُومِ؟ لَا، بَلْ نَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إِصْلَاحِ دُنْيَانَا، وَنَحْتَسِبُ التَّقَرُّبَ بِهَا فِي عَوْنِ عِبَادِ اللَّهِ قُرْبَةً لِلَّهِ، وَلَكِنْ نَبْدَأُ بِالعِلْمِ بِاللَّهِ وَبِمَا يُوَصِّلُ إِلَيْهِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين إمام وخطيب, قصيدة بعنوان إلى الله بثي:

بَيْنَ إِمَامٍ وَخَطِيبٍ خُصُومَةٌ سُجِّلَتْ شِعْرًا، لَا يَقْتَصِرُ الْغَرَضُ مِنْ تَسْجِيلِهَا شِعْرًا وَنَشْرِهَا عَلَى جَذْبِ التَّعَاطُفِ مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ آخَرَ، وَلَا انْتِقَاصًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا بِأَنْ يُقَالَ: «كَيْفَ يَخْتَلِفُ إِمَامٌ وَخَطِيبٌ؟»؛ فَالْخُصُومَاتُ تَقَعُ وَتَنْجَلِي، وَلَكِنْ... إِلَى أَيْنِ وَصَلَتْ بِنَا فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ الْمُجَامَلَاتُ؟ وَمَتَى يَكُونُ التَّدَخُّلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِمَا مُجَامَلَةً؟ وَمَتَى يَكُونُ إِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنِ؟ إِنَّ التَّدَخُّلَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ دُونَ وَضْعِ النِّقَاطِ عَلَى الْحُرُوفِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَسِيرَ الْمَرْكَبُ فَقَطْ مُجَامَلَةٌ؛ قَدْ تُهَدِّئُ الْخُصُومَاتِ فَتُؤَجِّلُهَا وَلَا تَحُلُّهَا، وَهَكَذَا نَهْجُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَدَخِّلِينَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فِي خُصُومَةٍ، فَبَعْضٌ مِنْهُمْ يَسْكُتُ تَحَرُّجًا، وَبَعْضٌ مِنْهُمْ يَلُومُ الطَّرَفَيْنِ وَيَتَجَاهَلُ سُوءَ الشُّعُورِ بِالظُّلْمِ، الَّذِي يُضَاعِفُ مِنْهُ الأَسَفُ مِنْ قِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْحَقِّ وَغِيَا...

نظرات نقدية حول سخاء الذكريات, بين النحو والدلالة (جولة في حادثة برنامج أمير الشعراء)

نظرات نقدية حول سخاء الذكريات: بين النحو والدلالة (جولة في حادثة برنامج «أمير الشعراء») صخب وجدل كبير حول مقطوعة شارك بها شاب ليبي في سباق برنامج تجاري يسمى «أمير الشعراء»، يقول فيها الشاب: لأني كرهتُ الآنَ والآنُ ضيقٌ ... يحاصرني ما بعده فهو أضيقُ ويشغلني عن لحظتي أن لحظتي ... سرابٌ وما في لحظتي ما يُصدَّقُ ويعجبني في الذكريات سخاؤُها ... إذا شحت الأوقات في الذهن تغدقُ وآخيت كل الفاتنات لأنني ... أخاف إذا غامرت في الحب أخفقُ ومن تهمتي كانت براءة تهمتي ... وقد يبرئ المرءَ القميصُ الممزقُ سأل أحد أعضاء لجنة التحكيم الشاب عن رفع (سخاؤها)، ومزج تعبير الناقد عن هذه المسألة بين الإعراب والمعنى؛ فذكر في جانب الإعراب الرفع والنصب، وهو ما كان مثار جدل كبير في الأوساط العامة تبعًا لشهرة البرنامج، وذكر جانب المعنى وهو كون المتحدث هو المنفعل باعتبار صدور الإعجاب منه. فركزت الأوساط العامة على الناحية التركيبية للجملة، وأهملوا الإشارة المعنوية من حيث كون الإنسان فاعلًا مختارًا وهو المتأثر بما حوله. لا صلة لي بطرفي القضية، ولا أبرر لذي خطأ خطأه، ولا محصل لي من هذا غير موقف أثار فكرة قديمة لتصحيح...

إشكال وجواب,فائدة النص على مسألة زنا المرأة ضرورة في كتب الفقه:

إشْكَالٌ وَجَوَابُهُ: فَائِدَةُ النَّصِّ عَلَى مَسْأَلَةِ زِنَا المَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ فِي كُتُبِ الفِقْهِ يَسْتَشْكِلُ بَعْضُ الطُّلَّابِ هَذَا النَّصَّ مِنْ كِتَابٍ فِي الفِقْهِ المَالِكِيِّ حَوْلَ إِبَاحَةِ زِنَا المَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَالنَّصُّ كَمَا فِي الكِتَابِ: «أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ حَيَاتِهَا -وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، بَلْ إِذَا وَجَدَتْ مَنْ يَزْنِي بِهَا وَيُشْبِعُهَا، وَمَنْ يَزْنِي بِهَا وَيَسُدُّ رَمَقَهَا؛ زَنَتْ بِمَنْ يُشْبِعُهَا، وَالحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ الزَّانِي فَقَطْ-. (وَالأَجْمَلُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَصْبِرَ عَلَى المَوْتِ جُوعًا عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا). وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الرُّخْصَةِ إِذَا زَنَتْ مِنْ أَجْلِ قُوتِ صِبْيَانِهَا. وَمَحَلُّ الرُّخْصَةِ لِحِفْظِ حَيَاتِهَا وَحَيَاةِ صِبْيَانِهَا إِذَا لَمْ تَجِدْ مَيْتَةً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَجُوزُ إِقْدَامُهَا عَلَى ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَا ذُكِرَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لِلْ...