التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضل الإيمان بالغيب على إيمان الشهادة

كلام يستحق أن تقرأه ببصيرتك: أول صفة تفصيلية مدح الله بها عباده المتقين في القرآن هي قوله: {الذين يؤمنون بالغيب}، لماذا فضل الإيمان الغيب إيمان الشهادة؟ لماذا كانت أول صفة أثنى الله بها على عباده المتقين؟ قال الدارمي رحمه الله في الرد على الجهمية له ص123-124: "وَمَا تَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَاحْتَجَبَ مِنْ خَلْقِهِ بِحُجُبِ النَّارِ وَالظُّلْمَةِ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، يُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ بِصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، لِيَبْلُوَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ أَيُّهُمْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْرِفُهُ بِالْغَيْبِ وَلَمْ يَرَهُ، وَإِنَّمَا يَجْزِي الْعِبَادَ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ بِالْغَيْبِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ تَبَدَّى لِخَلْقِهِ وَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لِإِيمَانِ الْغَيْبِ هُنَاكَ مَعْنًى، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ عِنْدَهَا كَافِرٌ، وَلَا عَصَاهُ عَاصٍ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَبَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ بِالْغَيْبِ، وَإِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَيَؤُمِنَ بِهِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ السَّعَادَةُ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَلَوْ قَدْ تَجَلَّى لَهُمْ لَآمَنَ بِهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا بِغَيْرِ رُسُلٍ وَلَا كُتُبٍ، وَلَا دُعَاةٍ، وَلَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ وَآمَنَ بِرُؤْيَتِهِ وَأَقَرَّ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، حَتَّى يَرَوْهُ عِيَانًا، مَثُوبَةً مِنْهُ لَهُمْ وَإِكْرَامًا، لِيَزْدَادُوا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ عَبَدُوهُ بِالْغَيْبِ نَعِيمًا، وَبِرُؤْيَتِهِ فَرَحًا وَاغْتِبَاطًا، ... وَحَجَبَ عَنْهُ الْكُفَّارَ يَوْمَئِذٍ إِذْ حُرِمُوا رُؤْيَتَهُ كَمَا حُرِمُوهَا فِي الدُّنْيَا لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً وَثُبُورًا". فأول ما يستفاد من هذا الكلام: 1. الطريق إلى توحيد الله معرفته، وأقرب الطرق الموصلة إلى معرفة الله ومحبته معرفة أسمائه وصفاته التي لا تعلم من أقصر الطرق إلا بالوحي المنزل على رسله، ولن تهتدي إليه إلا بفضل الله عليك. 2. إن صفات الجمال والجلال التي لا تعد ولا تحصى ولا يحيط بكنهها إلا الله، وهي صفات تحبب الخلق إلى ربهم أيما محبة، ، وهو أجل محبوب وأأجل مطلوب، ومحبة ما سواه تابعة لمحبته، ومن حكم احتجابه عن خلقه ألا يصل إليه من عباده إلا الخلص، ولو تجلى لعباده جميعا لآمنوا كلهم لما يعاينونه من جمال الصفات والذات، ولو وقع هذا لم يكن لخلص عباده مزية على غيرهم، ولارتفع من لم يكن أهلا، ولذا كان من حكم احتجابه عن خلقه أن يكون تجليه لخلص عباده أكمل نعيم يكافأون به لما آمنوا به بالغيب، إذ كانت أصدق أمارة على أنهم خلص عباده إيمانهم به بالغيب، وكان احتجابه في الدنيا والآخرة عمن لا يستحق الرفعة أشد عذابا لهم في الدنيا والآخرة، فحرموا لذة نعيم معرفته في الدنيا، وحرموا نعمة تجليه لهم في الآخرة فلم يعاينوا ذاك الجمال والجلال للصفات والذات حين يتجلى الجبار جبار القلوب المنكسرة له سبحانه فيرون وجهه، وتدبر كيف يكون حالهم حين ينشغلون عن كل نعيم أعطوه في الجنة بهذا النعيم، فما هم بأشد شوقا إلى شيء في الجنة شوقهم إلى هذا النعيم. 3. ولولا فضل إيمان الغيب على إيمان الشهادة ما حصل التفاضل في الدرجات بين الصفوف صفوف أولياء الله وصفوف أعدائه، فكان من كمال عدل الله ورحمته أن من أجل شرائع الدين الإيمان بالغيب. 4. القوة العجيبة لإيمان أهل الإيمان باللغيب، وما هو إلا محض جود الله عليهم، فمع توفر دواعي الهوى وميل النفس إليها، تركوا هواهم لأجل من آمنوا به بالغيب، بل أصبح هواهم تبعا لأوامره ونواهيه لما أحبوه سبحانه، فإن كان تجلي الله لخلقه يجعل العباد جميعا لا يعصونه فارتفع أهل الإيمان بالغيب درجات على من سواهم حيث قويت قلوبهم بمحض جود الله عليهم فتركوا أهواءهم بسبب ما تغير فيهم بمعرفة الجمال والجلال للصفات والأسماء، فكان ما عرفوه منها يدل على ما غاب عنهم، وكان وكان الغيب دليلهم على ما سيعاينونه في الشهادة يوم النعيم والملك الكبير. وأما إيمان الشهادة فقد قال الله عز وجل عنه بصريح العبارة: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} الآية. فيا من شغلت نفسك بالجدال والمراء في دين الله فيما لا يفيد، بل يضيع عليك عمرك, رأس مالك، تنبه لهذا، فإن كنت وكنا معك من أهل الإيمان بالغيب فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وتأمل كيف ينعم الله بهذه النعم على عباده ثم لا يتدبرون ولا ينتفعون، تأمل هذا، فليس التوحيد مجرد الحفظ للمسائل وضبطها على أهمية ذلك، بل ما يثمره العلم من عمل، وكل ذلك بمحض جود الله على عباده تفضلا، والله أعلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين إمام وخطيب, قصيدة بعنوان إلى الله بثي:

بَيْنَ إِمَامٍ وَخَطِيبٍ خُصُومَةٌ سُجِّلَتْ شِعْرًا، لَا يَقْتَصِرُ الْغَرَضُ مِنْ تَسْجِيلِهَا شِعْرًا وَنَشْرِهَا عَلَى جَذْبِ التَّعَاطُفِ مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ آخَرَ، وَلَا انْتِقَاصًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا بِأَنْ يُقَالَ: «كَيْفَ يَخْتَلِفُ إِمَامٌ وَخَطِيبٌ؟»؛ فَالْخُصُومَاتُ تَقَعُ وَتَنْجَلِي، وَلَكِنْ... إِلَى أَيْنِ وَصَلَتْ بِنَا فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ الْمُجَامَلَاتُ؟ وَمَتَى يَكُونُ التَّدَخُّلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِمَا مُجَامَلَةً؟ وَمَتَى يَكُونُ إِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنِ؟ إِنَّ التَّدَخُّلَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ دُونَ وَضْعِ النِّقَاطِ عَلَى الْحُرُوفِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَسِيرَ الْمَرْكَبُ فَقَطْ مُجَامَلَةٌ؛ قَدْ تُهَدِّئُ الْخُصُومَاتِ فَتُؤَجِّلُهَا وَلَا تَحُلُّهَا، وَهَكَذَا نَهْجُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَدَخِّلِينَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فِي خُصُومَةٍ، فَبَعْضٌ مِنْهُمْ يَسْكُتُ تَحَرُّجًا، وَبَعْضٌ مِنْهُمْ يَلُومُ الطَّرَفَيْنِ وَيَتَجَاهَلُ سُوءَ الشُّعُورِ بِالظُّلْمِ، الَّذِي يُضَاعِفُ مِنْهُ الأَسَفُ مِنْ قِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْحَقِّ وَغِيَا...

نظرات نقدية حول سخاء الذكريات, بين النحو والدلالة (جولة في حادثة برنامج أمير الشعراء)

نظرات نقدية حول سخاء الذكريات: بين النحو والدلالة (جولة في حادثة برنامج «أمير الشعراء») صخب وجدل كبير حول مقطوعة شارك بها شاب ليبي في سباق برنامج تجاري يسمى «أمير الشعراء»، يقول فيها الشاب: لأني كرهتُ الآنَ والآنُ ضيقٌ ... يحاصرني ما بعده فهو أضيقُ ويشغلني عن لحظتي أن لحظتي ... سرابٌ وما في لحظتي ما يُصدَّقُ ويعجبني في الذكريات سخاؤُها ... إذا شحت الأوقات في الذهن تغدقُ وآخيت كل الفاتنات لأنني ... أخاف إذا غامرت في الحب أخفقُ ومن تهمتي كانت براءة تهمتي ... وقد يبرئ المرءَ القميصُ الممزقُ سأل أحد أعضاء لجنة التحكيم الشاب عن رفع (سخاؤها)، ومزج تعبير الناقد عن هذه المسألة بين الإعراب والمعنى؛ فذكر في جانب الإعراب الرفع والنصب، وهو ما كان مثار جدل كبير في الأوساط العامة تبعًا لشهرة البرنامج، وذكر جانب المعنى وهو كون المتحدث هو المنفعل باعتبار صدور الإعجاب منه. فركزت الأوساط العامة على الناحية التركيبية للجملة، وأهملوا الإشارة المعنوية من حيث كون الإنسان فاعلًا مختارًا وهو المتأثر بما حوله. لا صلة لي بطرفي القضية، ولا أبرر لذي خطأ خطأه، ولا محصل لي من هذا غير موقف أثار فكرة قديمة لتصحيح...

إشكال وجواب,فائدة النص على مسألة زنا المرأة ضرورة في كتب الفقه:

إشْكَالٌ وَجَوَابُهُ: فَائِدَةُ النَّصِّ عَلَى مَسْأَلَةِ زِنَا المَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ فِي كُتُبِ الفِقْهِ يَسْتَشْكِلُ بَعْضُ الطُّلَّابِ هَذَا النَّصَّ مِنْ كِتَابٍ فِي الفِقْهِ المَالِكِيِّ حَوْلَ إِبَاحَةِ زِنَا المَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَالنَّصُّ كَمَا فِي الكِتَابِ: «أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ حَيَاتِهَا -وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، بَلْ إِذَا وَجَدَتْ مَنْ يَزْنِي بِهَا وَيُشْبِعُهَا، وَمَنْ يَزْنِي بِهَا وَيَسُدُّ رَمَقَهَا؛ زَنَتْ بِمَنْ يُشْبِعُهَا، وَالحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ الزَّانِي فَقَطْ-. (وَالأَجْمَلُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَصْبِرَ عَلَى المَوْتِ جُوعًا عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا). وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الرُّخْصَةِ إِذَا زَنَتْ مِنْ أَجْلِ قُوتِ صِبْيَانِهَا. وَمَحَلُّ الرُّخْصَةِ لِحِفْظِ حَيَاتِهَا وَحَيَاةِ صِبْيَانِهَا إِذَا لَمْ تَجِدْ مَيْتَةً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَجُوزُ إِقْدَامُهَا عَلَى ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَا ذُكِرَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لِلْ...