#تلبيسات_نادر_العمراني_في_سفك_الدماء_باسم_الجهاد_والشهادة_في_سبيل_الله

#تلبيسات_نادر_العمراني_في_سفك_الدماء_باسم_الجهاد_والشهادة_في_سبيل_الله
يركز أهل الضلال من إخوان ومن خرج من تحت عباءتهم على قضية الجهاد والشهادة, لأنه بهما يقدم الشباب أرواحهم طمعا في نيل الشهادة التي رتب عليها في شرعنا المطهر أجورا عظيمة، ولكنهم لا يؤصلون في الشباب معنى الجهاد الحقيقي في سبيل الله والفرق بين قتال الكفار وقتال غيرهم، والفرق بين الجهاد وبين غيره من أنواع القتال الجائزة والممنوعة، ولا يهتمون ببيان شروطه الواجب توافرها ليكون الجهاد مشروعا، ولا تكون الراية المرفوعة فيه راية عمية نهي عن القتال تحتها, تجاهل الإخوان كل ذلك لأن أغراضهم الحزبية تتنافى مع بيان ذلك.
ولما كان الشعار الذي رفعوه ليغطوا به أغراضهم السلطوية هو تحكيم الشريعة أولوا نصوص الشرع فأفهموا الأغرار الأغمار من الشباب أن خصومهم على اختلاف توجهاتهم لا يريدون تحكيم الشريعة, فهم إما أعداء للدين، وإما موالون لأعداء الدين، وزرعوا في عقولهم أنهم على حق وأن قتالهم يستمد شرعيته من نصوص الشريعة، ومنها قول الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} وقوله تعالى: { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، وهذا نادر العمراني يوظف حديث {القتلى ثلاثة} توظيفا حزبيا بعيدا عن التأصيل العلمي للشباب.
*رد الصحابة لشبهة الجهاد المزعوم عند الإخوان:
وهذا عبد الله بن عمر وسعد ابن أبي وقاص رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين يردان على هذه الشبهة.
جاء في صحيح البخاري، باب قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين
4243 حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج فقال يمنعني أن الله حرم دم أخي فقالا ألم يقل الله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فقال قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب قال أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمرو المعافري أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع أن رجلا أتى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل وقد علمت ما رغب الله فيه قال يا ابن أخي بني الإسلام على خمس إيمان بالله ورسوله والصلاة الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت قال يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله قاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما يعذبونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة قال فما قولك في علي وعثمان قال أما عثمان فكأن الله عفا عنه وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأشار بيده فقال هذا بيته حيث ترون
قال ابن حجر في الفتح في شرح الحديث: " قوله : ( ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد في سبيل الله ) أطلق على قتال من يخرج عن طاعة الإمام جهادا وسوى بينه وبين جهاد الكفار بحسب اعتقاده وإن كان الصواب عند غيره خلافه ، وأن الذي ورد في الترغيب في الجهاد خاص بقتال الكفار ، بخلاف قتال البغاة فإنه وإن كان مشروعا لكنه لا يصل الثواب فيه إلى ثواب من قاتل الكفار ، ولا سيما إن كان الحامل إيثار الدنيا .
وفي صحيح مسلم وغيره عن أسامة بن زيد رحمه الله قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟" فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَة}.
فانظر يا رعاك الله إلى فقه الصحابة كيف فرقوا بين قتال وقتال, قاتل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تكون فتنة وهي الشرك، وكان الدين كله لله، واعتزل من اعتزل منهم القتال حيث قدر أن القتال بين المسلمين سيترتب عنه عواقب غير محمودة، ومما هو معلوم أن القتال, سواء أكان للكفار، أو قتال لفئة باغية لا بد أن يكون تحت راية إمام شرعي استتب له الأمر واستقر على إمامته المسلمون, إما بيعة، وإما تغلبا، وفي غير هذا يسمى القتال قتال فتنة يترتب عليه مفاسد عظيمة, من كثرة لسفك الدماء في غير طائل، ومن استباحة العدو للمسلمين بضعفهم وتفككهم، إلى غير ذلك. وغاب فقه الصحابة لهذه الأمور عن الإخوان ومن خرج من تحت عباءتهم, ففي عصرنا هذا عمد شيوخ الإخوان والمقاتلة إلى تجميع أكبر عدد من الشباب للقتال بهذه الشبهة التي ردها الصحابة رضوان الله عليهم من قبل من أجل تحقيق الأغراض الحزبية ولكي تعلم أن قتالهم على غير أساس شرعي انظر إلى تحالفهم أول الأمر مع الدواعش والقاعدة، مكونين ما يعرف بمجالس الشورى. ثم اقتضت مصالحهم التخلص منهم لإرضاء رغبات داخلية وخارجية لكن طال نفس الحرب وفتح الإخوان والمقاتلة على أنفسهم جبهات كثيرة للقتال استهلكت فيها كثير من طاقاتهم البشرية حيث صار أصدقاء الأمس من قاعدة ودواعش أعداء اليوم وتغير المواقف بهذه الدرجة يدل على عدم ثبات الأصول والمبادئ، وحيث إنه لا بد من استمرارهم في حربهم لئلا يخسروا الداعمين للوصول إلى الحكم، أو يدرجوا ضمن قوائم الأرهاب، سعى نادر العمراني ومن لف لفه إلى استجلاب مزيد من الوقود البشري للاستمرار في الحرب أطول فترة ممكنة.
وذلك بما جرت به مع الأسف الشديد عادة الإخوان والمقاتلة إلى توظيف الحماسة الدينية للشباب بتوظيف نصوص الشريعة وتأويلها على حسب أغراضهم بدون أن يكون غرضهم التأصيل العلمي الصحيح، بل بالتلبيس والتضليل, ومن تلك القضايا التي وظفوها قضية الجهاد و(الشهادة في سبيل الله).
*العمراني يخفي عن الشباب شرط من شرطي قبول العمل وهو المتابعة لأغراض حزبية:
أقام الإخوان والمقاتلة الدنيا ولم يقعدوها عندما شاع نبأ اغتيال العمراني متهمين بذلك السلفيين وهم ومنهجهم براء من سفك الدماء بهذه الطريقة، ومتناسين أن العمراني ذاته مارس هذه الطريقة بتوظيف نصوص شرعية تخدم هذه الجماعات الضالة بمزيد من سفك الدماء.
كتب نادر العمراني مقالا في موقعه الرسمي تحت عنوان, [حديث القتلى ثلاثة]جاء فيه:
(للشهيد بشارات عدة، بشَّره الله بها ورسوله ، ولست بصدد حصرها وتعدادها. وإنَّما مرادي أن أنبِّه على واحدة منها، يغفَل عنها الكثير من الناس، خاصَّة في أيامنا هذه. فإنهم لمَّا علموا فضل الشهيد وما وُعِدَ به، ظنُّوا أنَّ هذه المنْزلة لا يدركها إلاَّ الأتقياء الكُمَّل الخلص، الذين لازموا التقوى، وداوموا على الطاعة.
وهذا مفهوم خاطئ لا دليل عليه.
فليس من شرط المجاهد ألاَّ يكون خطَّاء، وليس من شرط الشهيد أن يكون كاملاً، بل الشرط أن يكون مؤمناً بالله ورسوله ، مخلصاً لله في عمله وإقدامه. ومتى تحقق فيه هذان الشرطان، استحقَّ وعد الله له).
ترك العمراني الكلام في تأصيل المسائل الشرعية عند الشباب, فترك تعليمهم شرطا قبول العمل, فلنيل الشهادة عند العمراني شرطان هما: الإيمان بالله ورسوله، وإخلاص العمل لله. نعم، لا بد من وجود أصل الإيمان الذي هو الشهادتان لقبول الأعمال التي هي من مسمى الإيمان، وهو ما عبر عنه في أحد روايات حديث أركان الإسلام عن ابن عمر ب{إيمان بالله ورسوله}، وقد تقدم، قال ابن رجب رحمه الله في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: {أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : " إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " . قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : " الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : " حَجٌّ مَبْرُورٌ }:
" وأما حديث أبي هريرة: فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل لأنه جعله أفضل الأعمال، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما؛ ولهذا ورد في حديث: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، وفي رواية ذكر: "الإيمان بالله ورسوله" بدل "الشهادتين"؛ فدل على أن المراد بهما واحد؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان "الجهاد" ثم "الحج"، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما".
فالشهادتان ركن لا يكون الإسلام إلا بهما، ثم تأتي بقية الشرائع والأعمال التي لا تصح إلا بشرطين ذكر العمراني أحدهما وأغفل الآخر, فالذي ذكره العمراني الإخلاص وهو مندرج في الشهادتين، والشرط الذي أغفله المتابعة بأن يكون العمل على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ذكر العمراني هذا الشرط لتبين العاقل الفارق بين الجهاد الذي هو مشروع لئلا تكون فتنة وهي الشرك والقتال الذي هو فتنة من أجل السلطة، ولافتضح أمر الإخوان والمقاتلة.
ترك شرط المتابعة مع أنه منصوص عليه في كتاب الله, جاء في مقال ماتع في موقع راية الإصلاح تحت عنوان: [إخلاص الدين لله وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم]: "الله عزّ وجلّ لم ينصّ على أنّه يتقبّل العمل الأكثر من حيث الكميّة، ولكنّه ينصّ دائما على أنّه يتقبّل العمل الأحسن، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، وقوله: ﴿إِنَا لاَ نُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾، وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «أخلصه وأصوبه، فقيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنّ العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقْبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنّة».
وقال سعيد بن جبير والحسن البصري رحمهما الله: «لا يُقبل قول إلاّ بعمل، ولا يُقبل عمل إلاّ بقول، ولا يُقبل قول وعمل إلاّ بنيّة، ولا يُقبل قول وعمل ونيّة إلاّ بنيّة موافقة السنّة». انظر شرح أصول الإعتقاد للالكائي (18)، (20).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفيّ قال: «قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا، قال: قل آمنت بالله ثمّ استقم» رواه مسلم.
وقد فسّر هذا بعض السّلف بالإخلاص والمتابعة، روى ابن بطّة في «الإبانة /الإيمان» (156) بسند صحيح عن سلام بن مسكين قال: كان قتادة إذا تلا: ﴿إِنَّ الّذين قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، قال: «إنّكم قد قلتم ربّنا الله، فاستقيموا على أمر الله، وطاعته، وسنّة نبيّكم، وأمضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام، أن تلبث على الإسلام، والطريقة الصالحة، ثمّ لا تمرق منها، ولا تخالفها، ولا تشذّ عن السنّة، ولا تخرج عنها ...».
وفي هذا المعنى قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ من قَبْلَ أَنْ يأْتِيَكُمْ العَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ وَاتّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ ﴾، فأمرَ باتّباع أحسن ما أنزل، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن اقتفى أثر رسول الله في ذلك، وهذا بعد أن أمر الله عزّ وجلّ بالإسلام له في قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، والإسلام إذا جاء متعدّيًا لزم حمله على الإخلاص", فلو نص العمراني على شرط المتابعة لافتضح بأن حربه حزبية, حيث لا أمام شرعيا، ولا راية واضحة، فكيف يسمى جهادا في سبيل الله لتحكيم شرع الله؟!
*استغلال الحزبيين لجهل الشباب بالدين وتعميقه فيهم:
ترك العمراني تعليم الشباب الشروط الشرعية للجهاد وما يجب أن يتوفر فيه، لأنه لو علمهم ذلك لتبين كثير من التناقضات التي في مواقف هذه الجماعات, فلا بد للقتال من إمام يقاتل تحت رايته، والإخوان والمقاتلة لم تعد لهم ولاية بنصوص المواد التي وافقوا عليها وبسطوا الفتاوى في إثبات شرعيتها وفيها تحديد نهاية جسم المؤتمر الوطني، وتعنتوا بعدها في التمسك بالسلطة بحجج واهية تتمثل في إجراءات شكلية في مكان استلام وتسليم، فإن علموا الشباب أن من شروط الجهاد القتال تحت راية واضحة مع إمام شرعي فستنهال عليهم الأسئلة, سسيسألون العمراني ويقولون له هو ومن معه: ما حكم القتال تحت راية من انتهت ولايته؟ وماذا يسمى من يقاتل بعد انتهاء ولايته في الشرع؟ وهل تثبت الولاية شرعا وتنفى من أجل إجراءات تتعلق باستلام وتسليم؟ وكيف تفتون أن من يقاتل تحت راية من انتهت ولايته يكون شهيدا في سبيل الله وفي نصوص الشرع أنه لا يحكم لأحد بالشهادة إلا من جزم له الشارع الحكيم بها وهو يقاتل تحت راية شرعية واضحة فكيف بإثبات الشهادة في سبيل الله لمن يقاتل تحت راية من انتهت ولايته وهو يعلم بفترة انتهاء ولايته ووافق عليها أولا؟ وهو لا يقاتل كفارا بل يقاتل إخوانه في الدين والوطن؟ والمشكلة التي لا يستطيع الإخوان والمقاتلة تبريرها أن الوسيلة التي أوصلتهم إلى تولي مقاليد الأمور وبذلوا الجهد في إثبات شرعيتها أولا وهي الانتخابات هي الوسيلة ذاتها التي سلبتهم هذا الحق فتعنتوا؟
*القيد الذي يؤكد أن العمراني أراد توظيف النصوص لغرض حزبي:
ترك العمراني تبصير الشباب بشروط الجهاد مركزا على حقيقة واحدة يريدها، هي التي يغفل عنها الناس خاصة في أيامنا هذه كما يقول العمراني، ولعلك أيها القارئ الكريم تركز على هذا القيد [في أيامنا هذه]، وتربط بينه وبين ما يحدث فيها من أحداث جارية في بلادنا ليتبين لك الأمر، وهذا إن دل فإنما يدل على توظيف للنص أراده العمراني لا من باب تأصيل الشباب تأصيلا صحيحا.
ها هو ذا نادر العمراني لما أراد توظيف النصوص لأغراض حزبية يخفي كثيرا من الأمور عن الجهاد والشهادة فلا يبدي إلا ما أراده, فيظن القارئ أول وهلة حين يطالع قول العمراني: (فإنهم لمَّا علموا فضل الشهيد وما وُعِدَ به، ظنُّوا أنَّ هذه المنْزلة لا يدركها إلاَّ الأتقياء الكُمَّل الخلص، الذين لازموا التقوى، وداوموا على الطاعة.
وهذا مفهوم خاطئ)، أنه سيبصر الشباب بما ينبغي أن يتوفر في الجهاد الشرعي الذي تترتب عليه الشهادة لمن يقتل في سبيل الله،, ، لكنه لما ساق الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان وحسن إسناده المنذري والألباني رحمة الله على الجميع أراد استجلاب القوة المعطلة من الشباب عن الحرب، وذلك الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: { القَتْلى ثَلاثةٌ:
رَجَلٌ مُؤمنٌ جَاهَد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يُقتلَ، فذلك الشهيد المُمْتَحَن في خَيمة الله تحت عرشه. ولا يَفْضُلُه النبيون إلاَّ بفضل درجة النبوة ورجل مؤمن قَرَفَ على نفسه من الذنوب والخطايا، جَاهَد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل، فتلك مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذنوبَه وخطاياه. إنَّ السَّيفَ محَّاءٌ للخطايا، وأُدخِل من أي أبواب الجنة شاء؛ فإنَّ لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض.
ورجلٌ منافق، جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل، فذلك في النار. إنَّ السيف لا يمحو النفاقَ}
وها هو يوظف الحديث توظيفا حزبيا, فأثبت أن المجاهدين والشهداء على منزلتين, منزلة كاملي الإيمان, وهم من يقاتلون في حزبه وشربوا أفكار الإخوان والمقاتلة القائم على الطاعة العمياء لمشايخهم بدون تفهم الأدلة فكل ما يقوله مشايخهم حق لا يقبل المناقشة، فجعل هؤلاء الخارجين بالسيف في وجه إمامهم كاملي الإيمان، وأهل هذه المنزلة كثير منهم منتظم في الحرب، والمنزلة الثانية المجاهدون والشهداء أصحاب المعاصي الذين لم ينخرطوا في حزبهم وتأثروا بهم أو الذين انشغلوا بالدنيا وهم بعيد عن هذه التجاذبات السياسية والقتالية، وهؤلاء يهدف العمراني لانخراطهم مع حزبه لأن هذه الحرب التي يخوضها الإخوان طال نفسها وأتت على كثير من الأغرار الأغمار من شبابهم، فيطمح العمراني ومن لف لفه إلى انخراط هؤلاء الشباب في معركتهم الحزبية من أجل السلطة موظفا هذا الحديث في وعدهم أن ينالوا الشهادة على ما عندهم من معاصي, بدون أن يذكرهم بالتوبة، وبدون أن يبصرهم بشرط المتابعة لرسول الله فيفضح حزبه. فأنت يا من ابتليت بالزنا وشرب الخمر وغير ذلك ما هو إلا أن تقاتل معنا في أيامنا هذه لتنال الشهادة، لا فرق في هذا بينمعصية ومعصية. هذا ما يحتمله الإجمال في كلام العمراني.
وقد نص أهل العلم أن الشهيد يغفر له كل ذنب في حق الله لا في حقوق الآدميين, روى مسلم (1886) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ) .
وروى مسلم (114) عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : " لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَلَّا ، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ ) ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ) قَالَ : فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ : أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ " .
وهذا دأب هؤلاء المشايخ, يوردون النصوص على ما يريدون بدون ذكر مقيداته أو مبيناته،, أو تفسيراته على فهم السلف الصالح، لأن غرضهم التوظيف للأغراض الحزبية لا التأصيل العلمي الصحيح. والله تعالى أعلم.
ملحوظة:
مقال العمراني من هنا:
http://naderomrani.ly/article/323#sdfootnote2sym

الثلاثاء، 13 مارس 2018

نسبة القول بالقدر للحسن البصري رحمه الله:

نسبة القول بالقدر للحسن البصري رحمه الله:
لست من العلماء ولا من طلبة العلم الناصحين المخلصين، ولا أنا ممن له خبرة بالأسانيد، ولكن لما كثر الجدل حول مسألة الشكاية إلى السلطان ذكرت قصة الحسن البصري رحمه الله مع أيوب السختياني في تخويف أيوب له بالسلطان في مسألة القول بالقدر، ولما كتب الشيخ علي الشرفي الحذيفي مقاله الأخير في الذب عن الشيخ عبد الله البخاري والرد على الشيخ عبد الله الأحمد وعلى ناصر زكريا ذكر مسألة نسبة القدر للحسن رحمه الله وأحال فيها إلى كتب الحافظ الذهبي رحمه الله، وهذه خلاصة من مطالعة في ترجمة الحسن البصري رحمه الله في كتاب سير أعلام النبلاء.

فيقال:
المروي في مسألة نسبة القدر إلى الحسن عن السلف في الكتاب المذكور على أضر:
بالأول: مرويات تنسب له الخوض فيه يسيرا وتبرئه منه: ومنها الرواية التي فيها ذككر تخويفه بالسلطان, جاء في سير أعلام النبلاء طبعة مءسسة الرسالة ج4 ص579، 580:
حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : كذب على الحسن ضربان من الناس : قوم القدر رأيهم لينفقوه في الناس بالحسن ، وقوم في صدورهم شنآن وبغض للحسن . وأنا نازلته غير مرة في القدر حتى خوفته بالسلطان ، فقال : لا أعود فيه بعد اليوم . وقد أدركت الحسن - والله - وما يقوله . ا.ه رحمه الله.
الثانيي: مرويات مجملة: وهي مرويات تلت الرواية السابقة تلت ونصها من الكتاب المذكور:

قال الحمادان ، عن يونس قال : ما استخف الحسن شيء ما استخفه القدر .

حماد بن زيد ، أن أيوب وحميدا خوفا الحسن بالسلطان ، فقال لهما : ولا تريان ذاك ؟ قالا : لا . قال : لا أعود .

قال حماد : لا أعلم أحدا يستطيع أن يعيب الحسن إلا به .

وروى أبو معشر ، عن إبراهيم ، أن الحسن تكلم في القدر . رواه مغيرة بن مقسم ، عنه . ا.ه رحمه الله.

الثالث: ينسب للحسن رحمه الله الرجوع عن قوله في القدر, وهي رواية تلت المرويات المجملة السابقة، ونصها:
وقال سليمان التيمي : رجع الحسن عن قوله في القدر . ا.ه رحمه الله.
الرابع: مرويات فيها موافقة الحسن رحمه الله لعقيدة السلف في القدر: وهي مرويات عقبت رواية سليمان التيمي السابقة، ونصها:
حماد بن سلمة ، عن حميد ، سمعت الحسن يقول : خلق الله الشيطان ، وخلق الخير ، وخلق الشر . فقال رجل : قاتلهم الله ، يكذبون على هذا الشيخ .

أبو الأشهب : سمعت الحسن يقول في قوله : وحيل بينهم وبين ما يشتهون قال : حيل بينهم وبين الإيمان .

وقال حماد ، عن حميد ، قال : قرأت القرآن كله على الحسن ، ففسره لي أجمع على الإثبات ، فسألته عن قوله : كذلك سلكناه في قلوب المجرمين قال : الشرك سلكه الله في قلوبهم .
حماد بن زيد ، عن خالد الحذاء ، قال : سأل الرجل الحسن فقال : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ؟ قال : أهل رحمته لا يختلفون ، ولذلك خلقهم ، خلق هؤلاء لجنته ، وخلق هؤلاء لناره . فقلت : يا أبا سعيد ، آدم خلق للسماء أم للأرض ؟ قال : للأرض خلق . قلت : أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة ؟ قال : لم يكن بد من أن يأكل منها ; لأنه خلق للأرض . فقلت : ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ؟ قال : نعم ، الشياطين لا يضلون إلا من أحب الله له أن يصلى الجحيم .

أبو هلال محمد بن سليم : دخلت على الحسن يوم الجمعة ولم يكن جمع ، فقلت : يا أبا سعيد ، أما جمعت ؟ قال : أردت ذلك ، ولكن منعني قضاء الله .

منصور بن زاذان : سألنا الحسن عن القرآن ، ففسره كله على الإثبات .

ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء ، عن ابن عون ، عن الحسن ، قال : من كذب بالقدر فقد كفر . ا.ه رحمه الله.
الخامس: روايات تبرئ الحسن مما نحل عليه في القول بالقدر, ونص الرواية:
رجاء بن سلمة ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين - وقيل له في الحسن : وما كان ينحل إليه أهل القدر ؟ قال : كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل ، لو فسروه لهم لساءهم . ا.ه رحمه الله:
وفي رواية ص582، 583
وقال أبو سعيد بن الأعرابي : كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء ، فيتكلم في الخصوص ، حتى نسبته القدرية إلى الجبر ، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السنة إلى القدر ; كل ذلك لافتنانه وتفاوت الناس عنده ، وتفاوتهم في الأخذ عنه ، وهو بريء من القدر ومن كل بدعة . ا.ه رحمه الله.
السادس: إشارة إلى سبب نسبة بعض الأقوال البدعية إلى الحسن رحمه الله: ويدخل فيها رواية أبي سعيد ابن الأعرابي السابقة، ورواية تقدمت الكلام عن نسبة القدر إليه في السير وهي أيضا عن أبي سعيد ابن الأعرابي أيضا، ونصها وما بعدها فيه بيان العلة، قال الذهبي رحمه الله في ص580:
وقال أبو سعيد بن الأعرابي في " طبقات النساك " : كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن ، ويسمعون كلامه ، ويذعنون له بالفقه ، في هذه المعاني خاصة .

وكان عمرو بن عبيد ، وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له ، وكان له مجلس خاص في منزله ، لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن ، فإن سأله إنسان غيرها ، تبرم به وقال : إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر .

فأما حلقته في المسجد فكان يمر فيها الحديث ، والفقه ، وعلم القرآن ، واللغة ، وسائر العلوم ; وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب ، وكان منهم من يصحبه للحديث ، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان ، ومنهم من يصحبه للبلاغة ، ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص ، كعمرو بن عبيد وأبي جهير ، وعبد الواحد بن زيد ، وصالح المري ، وشميط ، وأبي عبيدة الناجي ; وكل واحد من هؤلاء اشتهر بحال - يعني في العبادة . ا.ه رحمه الله.
فعمرو بن عبيد من الطبقة الرابعة أشهر من أن يذكر في باب البدعة بالقدر قال الذهبي في ترجمته:

الزاهد ، العابد ، القدري ، كبير المعتزلة ، وأولهم ، أبو عثمان البصري. ا.ه رحمه الله.
وعبد الواحد بن زيد من السادسة قال فيه الذهبي: قلت : فارق عمرو بن عبيد لاعتزاله ، وقال بصحة الاكتساب ، وقد نسب إلى شيء من القدر ، ولم يشهر ; بل نصب نفسه للكلام في مذاهب النساك ، وتبعه خلق . وقد كان ثابت البناني ، ومالك بن دينار يعظان أيضا ، ولكنهما كانا من أهل السنة .

وكان عبد الواحد صاحب فنون ، داخلا في معاني المحبة والخصوص ، قد بقي عليه شيء من رؤية الاكتساب ، وفي ذلك شيء من أصول أهل القدر ، فإن عندهم : لا نجاة إلا بعمل . فأما أهل السنة فيحضون على الاجتهاد في العمل ، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله .

وكان عبد الواحد لا يطلق : إن الله يضل العباد ، تنزيها له . وهذه بدعة . وفي الجملة ، عبد الواحد من كبار العباد ، والكمال عزيز . وقد سقت من أخباره في " تاريخ الإسلام " ولكن ابن عون ومسعرا وهؤلاء أرفع وأجل . ا.ه رحمه الله.
ويقال بعد هذا تعليقا على ما تقدم:
أصرح الروايات التي يفهم منها نسبة القدر للحسن رواية أيوب عنه، وهي وإن كان فيها ذكر تلبس الحسن رحمه الله بشيء من المقالات في القدر إلا أنها صريحة في كونها تنفي أنه على مذهب القدرية، ولكن لم يذكر لنا أيوب رحمه الله شيئا من تلك المقالات التي نازل فيها الحسن، ولكنه رحمه الله نفى كونه منسوبا إلى القدر، وأنه ترك القول بالقدر، وهي رواية أصرح من الروايات المجملة التي قد يفهم منها نسبة القول بالقدر بإطلاق للحسن رحمه الله.
ولعلها مقالات وقف عليها أيوب رحمه الله وكانت من أثر مجالسة بعض القدرية كعمرو بن عبيد وعبد الواحد بن زيد، وكان سببها كما ذكر ابن سيرين رحمه الله إيراد الألفاظ المجملة التي لو فصلوها لساءهم الحسن رحمه الله.وقد أثبت العلماء رحمهم الله توبة الحسن رحمه الله من مقالاته هذه، ووردت آثار في أنه كان يفسر النصوص الشرعية بإثبات القدر، وآثار من كلامه فيها موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر.
ويبقى الاستدلال بهذه الواقعة في أمر الشكاية إلى السلطان، فيقال: إن أيوب رحمه الله نص على أنه نازله في مسألة القدر مرارا، وكانت هذه المرحلة الأولى، ثم بعد ذلك نص على أنه خوفه، وفي هذا من الفوائد:
--الصبر على من وقعت منه المخالفة من أهل السنة وعدم التعجل في إصدار الأحكام عليه.
--تكرار المناصحة مرة بعد مرة بالحجة والبرهان مع بيان الخطأ.
-- التدرج في الانتقال من أسلوب لآخر في علاج الخطأ.
--بدأ أيوب رحمه الله بمرحلة التخويف بالسلطان ولم يباشر ذلك, إذ إن المقصد هداية الخلق وعدم إعانة الشيطان عليهم، ولو فرض أن المخطئ من أهل السنة كابر وعاند مع استنفاد الوسائل المتاحة معه فحينئذ يكون رفع أمره إلى السلطان من باب أن آخر الدواء الكي، ولكي لا يفتتن به غيره.
وفي ختام المسألة هذا ختام كلام الذهبي رحمه الله على مسألة نسبة القول بالقدر للحسن رحمه الله حيث قال في ص584: قلت : وقد مر إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه سوى حكاية أيوب عنه ، فلعلها هفوة منه ورجع عنها ولله الحمد .ا.ه رحمه الله.
فلا يصح بعد هذا نسبة القول القدر إليه بإطلاق، ولا يبقى في الاستدلال بعد هذا الكلام إلا استنباط العبرة من القصة مع تبرئة الإمام من مذهب القدرية فيما يلي: خطر مجالسة أهل الأهواء، ثبوت الصبر على من وقع في هفوة من أهل السنة عن السلف،اللجوء إلى السلطان يكون عند ترجح المصلحة بعد استنفاد الوسائل، وبذا تجتمع آراء العلماء في مسألة اللجوء إلى السلاطين.
والله أعلم.


الخميس، 22 فبراير 2018

بعض الأسرار البلاغية في كون قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} أبلغ من قول العرب (القتل أنفى للقتل):

من بلاغة القرآن:
--بعض الأسرار البلاغية في كون قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} أبلغ من قول العرب (القتل أنفى للقتل):
يعترض العلمانيون تبعا لأسيادهم الغرب ومدعي حقوق الإنسان على شرعة القصاص وأنها وحشية ويتعامون عما يفعلونه هم من قتل بالكرسي الكهربائي الذي قد تصل الشحنة الكهربائية إلى مستويات عليا وكذلك القتل بالحقن السامة، وتجد أهل الجاهلية على انتكاس فطرتهم تفوقوا على أهل الحضارة المزعومة اليوم فقالوا: (القتل أنفى للقتل)، وقد اختلفت عبارة القرآن عن هذا المعنى, فقال الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} فتجد عبارة العرب قريبة الأخذ سهلة المتناول لا يأخذ الكلام عنها بضعة أسطر، بينما عبارة القرآن كلام الله أرقى وأبلغ على سهولة ألفاظها حوت معاني جليلة, ولذا قدم في الآية ما الأصل فيه التأخير، وأخر ما الأصل فيه التقديم، وأوجزت في الآية معان كثيرة جليلة في ألفاظ قليلة، وجاء من ألفاظ الآية ما تكمن بلاغته في كونه معرفة، وما بلاغته في كونه نكرة، ولا بد قبل الإشارة إلى بعض الأسرار من معرفة تفسير الآية عند السلف.
قال الطبري رحمه الله:

القول في تأويل قوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " ، ولكم يا أولي العقول ، فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض ، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج ، ما منع به بعضكم من قتل بعض ، وقدع بعضكم عن بعض ، فحييتم بذلك ، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة .

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك .

فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 382 ]

2617 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " قال : نكال ، تناه .

2618 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن أبي زائدة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ولكم في القصاص حياة " قال : نكال ، تناه .

2619 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

2620 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد عن قتادة : " ولكم في القصاص حياة " ، جعل الله هذا القصاص حياة ، ونكالا وعظة لأهل السفه والجهل من الناس . وكم من رجل قد هم بداهية ، لولا مخافة القصاص لوقع بها ، ولكن الله حجز بالقصاص بعضهم عن بعض; وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة ، ولا نهى الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين ، والله أعلم بالذي يصلح خلقه .

2621 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " قال : قد جعل الله في القصاص حياة ، إذا ذكره الظالم المتعدي كف عن القتل .

2622 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع قوله : " ولكم في القصاص حياة " الآية ، يقول : جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم . كم من رجل قد هم بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها! وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص .

2623 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " ولكم في القصاص حياة " قال : نكال ، تناه . قال ابن جريج : حياة . منعة . [ ص: 383 ]

2624 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ولكم في القصاص حياة " قال : حياة ، بقية . إذا خاف هذا أن يقتل بي كف عني ، لعله يكون عدوا لي يريد قتلي ، فيذكر أن يقتل في القصاص ، فيخشى أن يقتل بي ، فيكف بالقصاص الذي خاف أن يقتل ، لولا ذلك قتل هذا .

2625 - حدثت عن يعلى بن عبيد قال : حدثنا إسماعيل ، عن أبي صالح في قوله : " ولكم في القصاص حياة " قال : بقاء .

وقال آخرون : معنى ذلك : ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره ، لأنه لا يقتل بالمقتول غير قاتله في حكم الله . وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر ، وبالعبد الحر .

ذكر من قال ذلك :

2626 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط عن السدي : " ولكم في القصاص حياة " يقول : بقاء ، لا يقتل إلا القاتل بجنايته .

وأما تأويل قوله : " يا أولي الألباب " ، فإنه : يا أولي العقول . " والألباب " جمع " اللب " ، و" اللب " العقل .

وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهل العقول ، لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه ، ويتدبرون آياته وحججه دون غيرهم .

وقال ابن كثير رحمه الله:
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

وقوله : ( ولكم في القصاص حياة ) يقول تعالى : وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم ، وهي بقاء المهج وصونها ; لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه ، فكان في ذلك حياة النفوس . وفي الكتب المتقدمة : القتل أنفى للقتل . فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح ، وأبلغ ، وأوجز .
( ولكم في القصاص حياة ) قال أبو العالية : جعل الله القصاص حياة ، فكم من رجل يريد أن يقتل ، فتمنعه مخافة أن يقتل .
وكذا روي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي مالك ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، ( يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) يقول : يا أولي العقول والأفهام والنهى ، لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه ، والتقوى : اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات .


وقال ابن عرفة في تفسيره (1/225):
ابن عرفة : فيه دليل لاهل السنة القائلين بأن لا حسن ولا قبح لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم ، فدلّ على أنها تفضل من الله تعالى ، ولو كان القصاص واجبا في ( العقل ) لما حسن كونه نعمة ، ولما صح الإتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل .
قال الأصوليون والبيانيون : وهذه أبلغ من قول العرب القتل أنفى للقتل .
وقدره ابن مالك في المصباح بأربعة أوجه :
أحدهما : أن حروفها عشرة ، وأسقط منها الياء من في ( وألف ) الوصل من « القِصَاصِ » لسقوطها في النطق وفي التفعيل أعني الأوزان ( الشعرية ) ، وحروف « القتل أنفى للقتل » أربعة عشر .
الثاني : تنافر الحروف في المثل وتناسبها في الآية .
الثالث : لفظ الحياة محبوب ، فالتصريح باسمها أولى من الكناية عنه بنفي القتل .
الرابع : صحة معناه لأن تنكير الحياة يفيد إما حياة عظيمة أو نوعا من الحياة إشارة لحسنه وغرابته ، بخلاف المثل فإن معناه غير صحيح وحقيقته غير مرادة .
قال ابن عرفة : ويظهر لي بيان الرّابع إما بأن القتل في المثل ( مطلق ) ( يتناول ) القتل عدوانا مع أنه غير مراد والآية صريحة في نفي ذلك .
قال ( ابن عرفة ) : والآية أصوب من وجه آخر وهو أنها تقتضي المساواة في جميع الوجوه بخلاف المثل فليس فيه تنصيص على المساواة .
وذكر ( الطبري ) في تأليفه في البيان والجعبري في شرح الشاطبية الصغرى أنّ الآية تفضله من وجوه : أحدها : ( إيهامه ) التناقض لمنافاة الشيء لنفسه أو العموم فيكون القتل ظلما أنفى للقتل قصاصا والمراد العكس بخلاف الآية فإنّها صريحة في معناها من غير احتمال ( شيء ) .
الثاني : عدول الآية عن التكرار وعن الإضمار ، بخلاف المثل لأن تقديره كراهية القتل أنفى للقتل .
الثالث : سلامة ألفاظها عما يوحش السامع ، وتخصيصها بالحياة المرغوب فيها وبعدها عن تكرار ( قَلْقَلة ) القَافِ للضَغط والشدة وتخصيصها بتكرار الصاد المستجلب ( باستعلائها ) وإطباقها مع الصفير للفصاحة .
الرابع : فيها الطباق المعنوي بين القصاص والحياة .
قلت : وزاد بعضهم عن القاضي ابن عبد السلام أن الآية أعجب لاقتضائها أنّ الموت سبب في الحياة ولأن دلالة القصاص على الحياة مطابقة ودلالة القتل عليها باللزوم .


وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج14 ص80:
ولفظ القصاص يدل على المعادلة والمساواة فيدل على أن الله أوجب العدل والإنصاف في أمر القتلى فمن قتل غير قاتله فهو ظالم والمقتول وأولياؤه إذا امتنعوا من إنصاف أولياء المقتول فهم ظالمون هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل وهؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل .

وقال ابن القيم فيمفتاح دار السعادة ج2، ص253، 254:
وفي ضمن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤال مقدر أن إعدام هذه البنية الشريفة وإيلام هذه النفس وإعدامها في مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل فلأية حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء وبهرت حكمته العقول فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله تعالى ولكم في القصاص حياة وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كف عن القتل وارتدع وآثر حب حياته ونفسه فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله ومن وجه آخر وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيه وقبيلته وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره وتشتد مؤنته فشرع الله تعالى القصاص وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله ففي ذلك حياة عشيرته وحيه وأقاربه ولم تكن الحياة في القصاص من حيث أنه قتل بل من حيث كونه قصاصا يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره فتضمن القصاص الحياة في الوجهين وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز والبلاغة والفصاحة والمعنى العظيم فصدر الآية بقوله لكم المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم عائدة إليكم فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم فمنفعته ومصلحته لكم لا لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه ثم عقبه بقوله في القصاص إيذانا بأن الحياة الحاصلة إنما هي في العدل وهو أن يفعل به كما فعل والقصاص في اللغة المماثلة وحقيقته راجعة إلى الاتباع ومنه قوله تعالى وقالت لأخته قصيه أي اتبعي أثره ومنه قوله فارتدا على آثارهما قصصا أي يقصان الأثر ويتبعانه ومنه قص الحديث واقتصاصه لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر فسمى جزاء الجاني قصاصا لأنه يتبع أثره فيفعل به كما فعل وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل بالجاني كما فعل فيقتل بمثل ما قتل به لتحقيق معنى القصاص
.......... ونكر سبحانه الحياة تعظيما وتفخيما لشأنها وليس المراد حياة ما بل المعنى أن في القصاص حصول هذه الحقيقة المحبوبة للنفوس المؤثرة عندها المستحسنة في كل عقل والتنكير كثيرا ما يجيء للتعظيم والتفخيم كقوله وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة وقوله ورضوان من الله أكبر وقوله أن هو إلا وحي يوحى ثم خص أولى الألباب وهم أولو العقول التي عقلت عن الله أمره ونهيه وحكمته إذ هم المنتفعون بالخطاب ووازن بين هذه الكلمات وبين قولهم القتل أنفى للقتل ليتبين مقدار التفاوت وعظمة القرآن وجلالته


مما سبق يمكن معرفة بلاغة الآية كما يلي: عبارة العرب بلفظة القتل تتلائم مع بيئتهم ومعيشتهم في ذلك الوقت, إذ كانوا أهل حروب إما للثأر وإما من أجل أسباب لا تستدعي إراقة دماء، أما عبارة القرآن بالقصاص فيفهم منها أن القتل ليس شهوة أو مغامرة بل لما انتكست فطرة المقتص منه فأجرم كان جزاءه أن يذوق من نفس الكأس التي سقى منها غيره كما يقولون فكان هذا القصاص جزاء له وهذا قمة العدل وهذه المعاني غابت عن عبارة العرب إذ فيها عموم وإبهام بخلاف عبارة القرآن ففيها ففيها حدود لا يمكن أن يجاوزها المقتص {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل أنه كان منصورا} وهذا كله داخل في معنى لفظة قصاص، وفيها عدل بالمقتص منه فإنه لا ينال منه إلا بقدر ما نال من غيره، وهذا ليس في عبارة العرب، كل هذا مستفاد من لفظة القصاص المعرفة بالألف واللام، فأين الوحشية في هذا؟! ولما كان كثير من الناس يغتر بظواهر الأمور ولا يعمل الفكر فيتساءل كيف يكون علاج أزهاق النفس بإزهاق نفس أخرى جاء النداء للفت الانتباه أنه لا يفطن لذلك إلا أولو العقول السليمة، وقد صدرت الآية بشبه الجملة بلام الجر الداخلة على كاف الخطاب ومعها ميم الجمع وشبه الجملة متعلق بخبر مقدم محذوف وقد كان النداء مفصلا لما أجمل في كاف الخطاب وميم الجمع لأن السامع حين يقف عند كلمة (حياة) قد يغشاه حالة من الدهشة أو العجب وسيقع في حيرة, كيف يكون القتل حياة، ومن في قلبه مرض سيهيم في أوحال من الشك فاستدعى النداء الانتباه لتحريك العقل للوقوف على شيء من الحكمة في كون القصاص حياة، وفي تقديم شبه الجملى المتعلق بالخبر المقدم المحذوف بيان لمزية أصحاب العقول السليمة من المؤمنين وتفضيل لهم على غيرهم وتأمل في التوافق بين تعريف القصاص وبين تنكير لفظة الحياة فتعريف لفظة القصاص أفاد بيان علة القصاص وكيفيته وأنه من باب العدل وقد تقدم، ومن قال بأن أل هنا جنسية فقد راعى هذه المعاني في كل قصاص شرع وإن جاءت هذه الآية تالية لبيان حكم القصاص في القتلى، أما تنكير لفظة الحياة فقد أكسبها هذا التنكير مزايا, منها تأخرها وحقها التقديم، ومنها إفادة العموم، فأما تقدمها وحقها التقديم حيث تعرب مبتدأ مؤخرا والمبتدأ حقه الصدارة في الكلام ففيه سر بديع، فالأصل تقدم المبتدأ وتأخر الخبر، والخبر إفادة أمر عن المخبر عنه، لكن لما تقدم شبه الجملة لكم لما تقدم ذكره من بيان مزية أهل العقول السليمة كان من فائدة تأخر المبتدأ {حياة} إفادة مزية وعطية لتلقيهم لشرعة القصاص والعمل بها وهي تنعمهم بهذه الحياة، وأم إفادة العموم من التنكير في لفظة الحياة ففيه إذهاب لتوهم العهدية من التعريف وعمومها يشمل المنفعة التي تحل على الجميع، أهل الجاني، أهل المجني عليه، المقيم للقصاص، المجتمع بأسره, ولذا فسر بعض السلف هذه اللفظة بالبقاء كما مر في تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله، وبعضهم بمنع القتل، وهذا المعنى لا يتأتى مع التعريف، وأصل الكلام إن قدر في غير القرآن حياة كائنة لكم في القصاص، ولا يقوم مقام الآية أن يقال القصاص لكم حياة فإنه يضيع كثيرا مما مضى ذكره, ففيها تخصيص المخاطبين فقط بأن القصاص لهم حياة، وهو سياق إخباري إما ابتدائي يفيد المخاطب ما لم يكن يعرف أو هو سياق خبري يقصد به الإرشاد، وبقية المعاني تغيب، ولئن كان الجار والمجرور متعلق بخبر محذوف فما شأن الجار والمجرور {في القصاص} وما السر في دخول حرف الجر في على لفظة القصاص؟ قال المرادي في الجنى الداني أن من معاني في الظرفية والظرفية في أيسر عبارى هو كون شيء داخل شيء، والظرفية كما قال حقيقية ومجازية، أي: إما حسية، وإما معنوية، ومن أمثلة الظرفية المعنوية عنده قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} أي أن شرعة القصاص تتضمن حياة وإبقاء، ولكن القصاص إتباع لجرم بالعقوبة والحياة موجودة قبله ومستمرة بعده بناء على ما تضمنه تنكير الحياة من العموم والتعظيم، وهو وسيلة لإبقائها والحفاظ عليها فهل ينسجم هذا مع الظرفية؟ ولعل الجواب أن يقال إن الجار والمجرور أيضا متعلقان بالخبر المقدم المحذوف لإبقاء لفظة الحياة على عمومها غير مقيدة وهذا ما يفيده تقديم شبهي الجملة {ولكم في القصاص}، ثم إن من معاني الآية الجليلة مقصدان, الامتنان، والدعوة للتفكر، ويجلو الامتنان في كون تشريع القصاص من النعم التي تتحقق بها
مصالح العباد، فظاهره إيلام للمقتص منه وباطنه رحمة ومصالح بالعباد بحيث يكون وسيلة في إبقاء الحياة، فالظرفية تكمن في كون القصاص منة باحتواء القصاص على ما يكون وسيلة في إبقاء الحياة لا في كون القصاص يحتوي على الحياة ذاتها، وكأن المعنى أن الله شرع لكم بمنه ما فيه مصالح ورحمة بكم للإبقاء على حياتكم ومنها القصاص، فلخص حرف الجر في بدلالته على الظرفية هذه المعاني على أن الظرفية تكمن في احتواء القصاص على النعم والمصالح التي هي وسيلة في إبقاء الحياة والحفاظ عليها بإذن الله، هذا في مقصد الامتنان، وأما التفكر فإنه يتعدى بحرف الجر في، وهو يقتضي إعمال الفكر في الأمر بحيث يستحوذ الأمر المتفكر فيه على عقل المتفكر، فكأن الفكرة أو الأمر المتفكر فيه صار هو الظرف وذهن المتفكر هو المظروف، ولما كانت الدهشة والعجب تحصل من الطباق المعنوي كما قال ابن عرفة رحمه الله بين الحياة التي هي أمر محبوب وبين القصاص الذي هو في ظاهره إيلام وقد يصل إلى الإتلاف نبه الله على ذلك بذكر أولي الألباب، وتأخر ذكر أسلوب النداء النداء لما يحدثه أسلوب التفصيل بعد الإجمال من التشويق، وتنبيها على أن النقل مقدم على العقل ولو لم تعلم منه الحكمة، فبعد أن بين سبحانه الحكم نبه إلى أن العقول السليمة تقر بهذا، وتأخير ذكر العقل على النقل يفيد قصور العقل فقد يخفى عليه كثير من حكم الشريعة الجليلة فالأصل الرضى والتسليم، وهذه المعاني الجليلة لا توجد في قول العرب, (القتل أنفى للقتل).
والله أعلم.

الأحد، 4 فبراير 2018

الألقاب بين قواعد السلف وبين التوظيف للمواقف:

الألقاب بين قواعد السلف وبين التوظيف للمواقف:
إن من أعجب العجب أن يغرد من يغرد في تويتر أو ينشر من ينشر على مواقع الإنترنت وبالأخص على مواقع التواصل الاجتماعي في معرض انتقاص الشيخ #محمد_بن_هادي فيقول: في هذا الزمن لا يوجد حافظ، الحافظ من يحفظ مئة ألف حديث، فيجعل من العدد شرطا يحكم به على من يوصف بالحافظ عند السلف، مع أن الشيخ محمدا لمما ينهى عن المديح، ولا يرضاه، وكم نهى عنه، وفي الوقت ذاته ينتقد هذا القائل فتوى الشيخ محمد بن هادي بأن لقب إمام أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يوصف به في عصورنا هذه إلا مقيدا فيقال: (إمام أهل السنة والجماعة في زمانه)، مع جريان عمل أئمة السلف على هذا، فيا ترى، ما سر هذا التضارب بين نفيه لصفة الحافظ عن الشيخ بحجة اشتراط السلف للعدد المذكور، وبين الإنكار على فتوى الشيخ في الوصف المقيد للقب أهل السنة والجماعة؟ مع علم هذا القائل بنهي الشيخ عن المديح وأنه ما قيد وصف إمام أهل السنة بالعصر أو الزمن إلا على عمل أئمة السلف على مر العصور؟ وهل ميزانه مع هذين اللقبين واحد؟
فأما استعمال لفظة حافظ فيقال عنها , إن لهذه الكلمة إطلاقان, إطلاق لغوي، وإطلاق عرفي، جاء في لسان العرب: الأزهري : رجل حافظ وقوم حفاظ وهم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا وقلما ينسون شيئا يعونه . ا.ه رحمه الله.
وأما الإطلاق العرفي فهو عند المحدثين، وله استعمالان, استعمال في ضبط الراوي، واستعمال في رتبة من مراتب المحدثين.
ومن الاستعمال الأول ما ذكره الترمذي رحمه الله باب ما جاء أن للنار نفسين، ح 2719حيث قال في آخره: هذا حديثٌ حسن صحيحٌ. وقَد رُوِيَ عن أَبي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَالمُفَضّلُ بنُ صَالِحٍ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاِكَ الْحَافِظِ. ا.ه رحمه الله.
وأما عن استعمال لفظة الحافظ في مراتب المحدثين،  فلها إطلاقان, إطلاق عام، وإطلاق خاص، وقد ورد تفصيل لها في تدريب الراوي للسيوطي رحمه الله، ومما يستفاد من هذه الآثار ومما أورده السيوطي رحمه الله أنه لا يشترط عدد معين وإنما العرف في كل زمان يحدد من يتصف بالحافظ، جاء في تدريب الراوي للسيوطي ص37 إلى 39: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْمُحَدِّثَ وَالْحَافِظَ بِمَعْنًى، كَمَا رَوَى أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِمْلَاءً لَمْ يُعَدَّ صَاحِبَ حَدِيثٍ.
وَفِي الْكَامِلِ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ جِهَةِ النُّفَيْلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ هُشَيْمًا يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَافِظَ أَخَصُّ، ..........................
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: إِنَّهُ سَأَلَ الْحَافِظَ جَمَالَ الدِّينِ الْمِزِّيَّ عَنْ حَدِّ الْحِفْظِ الَّذِي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ جَازَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ؟ قَالَ: يُرْجَعُ إِلَى أَهْلِ الْعُرْفِ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ أَهْلُ الْعُرْفِ؟ قَلِيلٌ جِدًّا، قَالَ: أَقَلُّ مَا يَكُونُ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُ تَرَاجِمَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبُلْدَانَهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ، لِيَكُونَ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، فَقُلْتُ لَهُ هَذَا عَزِيزٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، أَدْرَكْتَ أَنْتَ أَحَدًا كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَانَ لَهُ فِي هَذَا مُشَارَكَةٌ جَيِّدَةٌ، وَلَكِنْ أَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَى، فَقُلْتُ: كَانَ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا كَانَ يُشَارِكُ مُشَارَكَةً جَيِّدَةً فِي هَذَا، أَعْنِي فِي الْأَسَانِيدِ، وَكَانَ فِي الْمُتُونِ أَكْثَرَ لِأَجْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فَتْحُ الدِّينِ بْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فِي عَصْرِنَا فَهُوَ:
مَنِ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَجَمَعَ رُوَاةً، وَاطَّلَعَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَاتِ فِي عَصْرِهِ، (وَتَمَيَّزَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عُرِفَ فِيهِ حِفْظُهُ) وَاشْتُهِرَ فِيهِ ضَبْطُهُ، فَإِنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَرَفَ شُيُوخَهُ، وَشُيُوخَ شُيُوخِهِ، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَجْهَلُهُ مِنْهَا فَهَذَا هُوَ الْحَافِظُ، وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ صَاحِبَ حَدِيثٍ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الْإِمْلَاءِ، فَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَتِهِمْ. انْتَهَى.
وَسَأَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ شَيْخَهُ أَبَا الْفَضْلِ الْعِرَاقِيَّ فَقَالَ: مَا يَقُولُ سَيِّدِي فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الطَّالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى حَافِظًا؟ وَهَلْ يُتَسَامَحُ بِنَقْصِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمِزِّيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ فِي ذَلِكَ لِنَقْصِ زَمَانِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي وَقْتٍ بِبُلُوغِ بَعْضِهِمْ لِلْحِفْظِ وَغَلَبَتِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَبِاخْتِلَافِ مَنْ يَكُونُ كَثِيرَ الْمُخَالَطَةِ لِلَّذِي يَصِفُهُ بِذَلِكَ. وَكَلَامُ الْمِزِّيُّ فِيهِ ضَيِّقٌ، بِحَيْثُ لَمْ يُسَمِّ مِمَّنْ رَآهُ بِهَذَا الْوَصْفِ إِلَّا الدِّمْيَاطِيَّ، وَأَمَّا كَلَامُ أَبِي الْفَتْحِ فَهُوَ أَسْهَلُ، بِأَنْ يَنْشَطَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ شُيُوخِهِ إِلَى شُيُوخِ شُيُوخِهِ، وَمَا فَوْقُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانَ شُيُوخُهُمُ التَّابِعِينَ أَوْ أَتْبَاعَ التَّابِعِينَ، وَشُيُوخُ شُيُوخِهِمُ الصَّحَابَةَ أَوِ التَّابِعِينَ، فَكَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَسْهَلَ بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ الزَّمَانِ، فَإِنِ اكْتَفَى بِكَوْنِ الْحَافِظِ يَعْرِفُ شُيُوخَهُ وَشُيُوخَ شُيُوخِهِ، أَوْ طَبَقَةً أُخْرَى، فَهُوَ سَهْلٌ لِمَنْ جَعَلَ فَنَّهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ حِفْظِ الْمُتُونِ وَالْأَسَانِيدِ، وَمَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ كُلِّهَا، وَمَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ، وَالْمَعْمُولِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فَرَاغٍ وَطُولِ عُمُرٍ، وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُولَدُ الْحَافِظُ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
فَإِنْ صَحَّ كَانَ الْمُرَادُ رُتْبَةَ الْكَمَالِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُوصَفُ بِالْحِفْظِ. وَكَمْ مِنْ حَافِظٍ غَيْرُهُ أَحْفَظُ مِنْهُ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَلْفَاظِ النَّاسِ فِي مَعْنَى الْحِفْظِ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الْحِفْظُ: الْإِتْقَانُ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الْإِتْقَانُ أَكْثَرُ مِنْ حِفْظِ السَّرْدِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِفْظُ: الْمَعْرِفَةُ. انتهى من تدريب الراوي.
فيتلخص من هذا المنقول أمور:
--الحافظ رتبة عالية لمن كان مبرزا في الحديث رواية ودراية بحيث يكون ما يغيب عنه في الجملة أقل مما يعيه.
--خضع لقب الحافظ لعرف المشتغلين بالحديث عبر العصور بنص الأئمة أنفسهم في النقل المتقدم على هذا، وذلك تبعا لاجتهاد كل أهل عصر في تحصيل علم الحديث، وعليه فتحمل الآثار المذكور فيها العدد على اجتهاد أهل كل عصر، وليس العدد شرطا في المحدث أو الحافظ، وتطبيق معايير زمن متقدم على زمن تأخر عنه قد يكون فيها إغضاء من المتقدم ورفع للمتأخر إلى رتبة المتقدم، وجرى عمل أهل العلم على توقير من تقدم من الأئمة لعلمه وسبقه، وكذلك على قدر المتأخر من الأئمة حق قدره بعلمه وحسن تأليفه وسبره.
--مع أن رتبة الحافظ عند أهل العلم رتبة عالية، إلا أنه وجد في مفهومها اختلاف, فمنهم من فهم العلماء من كلامه مساواته بين المحدث والحافظ، ومنهم من فرق.
--مع نص الأئمة على التباين بين كل عصر مع الذي سبقه وضعوا ضوابط ثابتة تواطأت عباراتهم حولها فلا بد أن يتصف الحافظ بها، وقد مضى شيء منها وسيأتي نقل كلام الحافظ ابن حجر فيها.
فانظر يا رعاك الله إلى فطنة أئمة السلف وكيف وصل بهم السبر إلى معرفة ما هو ثابت وما يخضع للتغيير بحسب عرف أهل الزمان.
فتبين أن لعلماء الحديث استعمالان للفظة حافظ, استعمال في ضبط الراوي، واستعمال في مرتبة من مراتب المحدثين، يتضح هذا فيما ذكره الحافظ ابن حجر في النكت على مقدمة ابن الصلاح بتحقيق الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله فقد جاء تحت عنوان, [تعذر التصحيح في هذه الأعصار بمجرد اعتبار الأسانيد في نظر ابن الصلاح:] ج1 ص266 من كلام ابن الصلاح رحمه الله  ما نصه: 20- قوله (ص) : (فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة ... إلى آخر كلامه. ا.ه رحمه الله.
فعلق الحافظ ابن حجر قائلا ص268: هذا إن أراد المصنف بالحفظ حفظ ما يحدث به الراوي بعينه، وإن أراد أن الراوي شرطه أن يعد حافظا، فللحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظا.

... 1- وهو الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف.
2- والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم.
3- والمعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون.
فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظا.
ولم يجعله أحد من أئمة الحديث شرطا للحديث الصحيح.
نعم والمصنف لما ذكر حد الصحيح لم يتعرض للحفظ أصلا، فما باله يشعر هنا بمشروطيته.
ومما يدل على أنه إنما أراد حفظ ما يحدث به بعينه أنه قابل به من اعتمد على ما في كتابه، فدل على أنه يعيب من حدث من كتابه ويصوب من حدث عن ظهر قلبه. ا.ه رحمه الله.
فتلخص من النقل السابق أمران:
--النص على الشروط الثابتة الواجب توفرها فيمن يلقب بالحافظ عبر العصور وليس منها اشتراط العدد.
--وجود الاستعمالين للفظة حافظ عند علماء الحديث في الضبط وفي رتبة من رتب الحديث.
وللشيخ الألباني رأي في المسألة حيث سئل في الشريط الثامن من سلسلة الهدى والنور حيث جاء فيه: قال السائل :

وصفكم بعض أهل العلم في مكة المكرمة بقوله الحافظ الألباني فعندما سؤل عن ذلك قال أنّك –أي الألباني –وقفتَ على ما لم يقف عليه مَن قبلك من أهل العلم وأيّد ذلك بقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته لشيخه العراقي"انباء الغَمر بأنّ الحفظ المعرفة" ووقفتَ أنت وعرفتَ من المتون والأسانيد ما يزيد على ذلك فما رأيكم؟

جواب الشيخ :

على كل حال،

أولا : لاأرضى بهذا اللقب .

ثانيا: تعود القضية إلى المعنى المصطلح عليه الذي تذكره الآن أنت عن الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي ،هذا اصطلاح خاص ليس على الإصطلاح العام المفهوم في كتب المصطلح أنّ الحافظ الذي يحفظ كذا ألف حديث ما أذكر العدد بالضبط – مئة ألف حديث –هذا الإصطلاح العام إما أن يقول هو الإطلاع على ما لم يطّلع عليه الآخرون والمعرفةأيضا هذا يكون اصطلاحا خاصا وأنا على كل حال أتبرأ من أن يصفني أحد بهذه الصفة سواءا بالمعنى الإصطلاحي العام أو بهذا المعنى الخاص إنّما أنا كما أقول دائما وأبدا طالب علم أجتهد أن أطلّع بقدر ما أستطيع ا.ه.
وسواء أكان العدد مشترطا في الإطلاق العام أم كان مما يختلف من عصر لآخر فتنزيل اصطلاح المحدثين
وخلاصة القول: إذا كان هذا القائل أو الكاتب استعمل قواعد السلف في إنكار وجود حافظ في هذا الزمن على ما اشترطه السلف، فكان يلزمه أمران, إما إثبات غلط القول بأن غالب عادة السلف استعمال لقب (إمام أهل السنة والجماعة) مقيدا بالعصر أو الزمن، وإما السير على نهج الأئمة, فيما إطلقوه وقيدوه واشترطوا له شروطه، وإما أن يفسر تضارب مواقفه في إعمال قواعد السلف، والله أعلم.

السبت، 2 سبتمبر 2017

معنى ضمان التبعات عمن حظي بفضل الوقوف بعرفات:

معنى ضمان التبعات عمن حظي بفضل الوقوف بعرفات: يقول العلماء: حقوق الله عز وجل مبنية في الأصل على المسامحة والعفو إذا تاب الإنسان من تضييعها من باب أولى، ومن لم يتب يطلق عليه العلماء بما دلت عليه نصوص الشرع معرض للوعيد، أو معلق بالمشيئة, إن شاء الله عذبه، وإن شاء تاب عليه، وأما حقوق العباد، فمبنية على المطالبة والمُشاحَّة، ولا تسقط ولا تبرأ الذمة إلا بأدائها، ومما ورد في فضل الوقوف بعرفة والإفاضة إلى المشعر الحرام أن الله يضمن التبعاتعمن وقف بها، فما معنى التبعات المضمونة؟ هل هي في حق الله عز وجل؟ أم في حقوق العباد المبنية على المطالبة والمشاحة؟ ولا شك أن الأمرين كليهما مما لا ينبغي أن يفرط فيهما عاقل فضلا عن أن يكون مؤمنا أواها منيبا، فإن كانت في حق الله عز وجل، ففي الحديث, {رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه}، وطمع المؤمن الذي يتعبد لله على المحبة والخوف والرجاء جميعا في رحمة ربه عظيم، لكن، ماذا لو كانت التبعات المضمونة عن الواقف بعرفة والمفيض للمشعر الحرام حقوق العباد التي عليه، وهي كما علمت مبنية على المطالبة والمشاحة, لا يكاد العباد يسامحون فيها، وبالذات في شدة ذلك الموقف الذي تكون فيه المحاسبة على الحسنات والسيئات، ماذا لو جاءك خصومك يطالبونك بين يدي الله بما لهم عليك، حتى إذا أيقنت بذهاب حسناتك, بعضها أو كلها، حتى إذا فزعت إن فنيت حسناتك أن تطرح سيئات على سيئاتك، أرضى الله خصومك فلم تؤاخذ بما لهم عليك؟ لن تعرف شدة تلك الفرحة بعد ذلك الضيق الذي كدت ترى فيه حسناتك تذهب، أو سيئات تضاف إليك إلا إذا عاينت تلك الفرحة، والسبب حسنة سبقت لك من الله أن أقامك في عرفات حاجا، وأفضت منها مغفورا لك، ولك أن تقرن هذه البشارة العظيمة لو ثبتت بصعوبة الوصول إلى الحج في وقتنا الحاضر، ولا يعرف قيمة الحرمان إلا من عاش بين شوق وطمع في الحج وفي تلك البشارة، وبين صعوبة ظروف الحج في أيامنا هذه، وإذا ما كنت مؤمنا بأن أمرك كله مبني على التوفيق من الله وإن امتنعت عنك الأسباب، حينها ينفتح لك بإذن الله باب الرغبة والرجاء، مع ذلك الحزن الذي ينتابك كل عام قد لا تحيى عاما بعده فتدرك هذه البشارة، في صَحِيحُ مُسْلِمٍ >> كتاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ >> بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ وفي صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ >> كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ >> بَابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا " ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ ؟ قَالَ : " إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ : وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ * نعم، سقف الطمع فيما عند الله مرفوهع، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولعل الله يبلغنا بنياتنا ما عجزنا عن العمل به، في يوم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما يكون فيه حين يقضى بين العباد فيما بينهم, ففي صَحِيحُ مُسْلِمٍ >> كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ >> بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ " قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ ، وَصِيَامٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ . يكون هذا حال الأقربين والأبعدين فيما بينهم، حينها لا بد من أن نقدر تلك البشارة قدرها. ليس معنى هذا التساهل في حقوق العباد، أو أخذها عدوانا وظلما على نية الحج الذي تضمن فيه عنك التبعات، فالله عز وجل لا يخادع، ولا يستوي الخبيث عنده والطيب، فالله يعطي هذه البشارة من شاء بعلم وحكمة. إليك أيها الأواه المنيب سياق البشارة، جاء في الترغيب والترهيب للمنذري: 1792 - وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم عرفة أيها الناس إن الله عز و جل تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم ووهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى لمحسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله فلما كان بجمع قال إن الله عز و جل قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في طالحيكم تنزل الرحمة فتعمهم ثم تفرق المغفرة في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم فإذا نزلت الرحمة دعا إبليس وجنوده بالويل والثبور رواه الطبراني في الكبير ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيهم رجلا لم يسم 1793 - ورواه أبو يعلى من حديث أنس ولفظه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الله تطول على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم وأعطيت لمحسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله تعالى فيقول يا ملائكتي عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم وأعطيت محسنيهم جميع ما سألوني وكفلت عنهم التبعات التي بينهم 1794 - وعن عباس بن مرداس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا لامته عشية عرفة فأجيب أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم فإني آخذ للمظلوم منه قال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد فأجيب إلى ما سأل قال فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم أو قال تبسم فقال له أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك أضحك الله سنك قال إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لامتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه رواه ابن ماجه عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس أن أباه أخبره عن أبيه 1795ورواه البيهقي ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا عشية عرفة لامته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأوحى الله إليه أني فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها فقال يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله أني قد غفرت لهم قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له بعض أصحابه يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم قال تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه رواه البيهقي من حديث ابن كنانة بن العباس بن مرداس السلمي ولم يسمه عن أبيه عن جده عباس ثم قال وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها في كتاب البعث فإن صح بشواهده ففيه الحجة وإن لم يصح فقد قال الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 84 وظلم بعضهم بعضا دون الشرك انتهى. 1796 - وروى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال وقف النبي صلى الله عليه و سلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال يا بلال أنصت لي الناس فقام بلال فقال أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأنصت الناس فقال معشر الناس أتاني جبرائيل عليه السلام آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال إن الله عز و جل غفر لاهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله هذا لنا خاصة قال هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر خير الله وطاب". قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم, 1624: " - " إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا ، فوهب مسيئكم لمحسنكم ، و أعطى محسنكم ما سأل ، ادفعوا باسم الله " . أخرجه ابن ماجة ( 3024 ) عن أبي سلمة الحمصي عن بلال بن رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع : " يا بلال أسكت الناس ، أو أنصت الناس " . ثم قال : فذكره . قال البوصيري في " الزوائد " ( 207 / 2 - مصورة المكتب ) : " هذا إسناد ضعيف ، أبو سلمة هذا لا يعرف اسمه ، و هو مجهول " . قلت : لكن الحديث صحيح عندي ، فإن له شواهد من حديث أنس بن مالك و عبادة بن الصامت و عباس بن مرداس . أما حديث أنس فيرويه صالح المري عن يزيد الرقاشي عنه مرفوعا به أتم منه . أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 3 / 1015 ) . و صالح المري و يزيد الرقاشي ضعيفان ، و اقتصر الهيثمي في " المجمع " ( 3 / 257 ) على إعلاله بالمري فقط ! لكن رواه ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك به نحوه . هكذا ساق إسناده في " الترغيب " ( 2 / 128 ) ، و هو إسناد صحيح لا علة فيه ، و قد أشار إلى ذلك عبد الحق الإشبيلي في كتابه " الأحكام " ( رقم 71 - بتحقيقي ) بسكوته عليه ، و فيه : " إن الله غفر لأهل عرفات و أهل المشعر . .. " . و انظر " صحيح الترغيب " ( 1143 ) . و الحديثان الآخران مخرجان في " الترغيب " ، و إسنادهما و إن كان ضعيفا ، فلا بأس به في الشواهد . و للحديث شاهد آخر رواه البغوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد عن أبيه عن جده . ذكره السيوطي في " الجامع الكبير " ( 1 / 143 / 2 )". وللافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله كتاب ماتع بعنوان, قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج، بين فيه طرق هذه الأحاديث، قوة الحجاج, بكسر الحاء وفتح الجيم الأولى بمعنى إقامة الحجة والبرهان، في عموم المغفرة للحجاج، جمع حاج، قال في أوله ص17: "فإني سئلت عن علم الحديث الذي أخرج في بعض السنن عن العباس بن مرداس السلمي في مغفرة الله عز وجل ذنوب الحاج ذي التبعات. هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف يعمل في الفضائل بمثله؟ أو هو في حيز المنكرات أو الموضوعات؟ والجواب عن ذلك: أنه جاء من طرق أشهرها حديث العباس بن مرداس السلمي ثم ذكر طرق حديث العباس رضي الله عنه، وختمها بطريق أبي داود في سننه, كِتَاب الْأَدَبِ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، 4622 حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبِرَكِيُّ ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، - وَأَنَا لِحَدِيثِ عِيسَى أَضْبَطُ - ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ يَعْنِي السُّلَمِيَّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : " ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ - " * قال ابن حجر في قوة الحجاج بعد ذكر الحديث ص23: "وسكت عليه أبو داود فهو صالح عنده". وهذا من تسامح الحافظ ابن حجر رحمه الله في الترغيب والترهيب، فلئن لم يتعقب أبو داود هذا الحديث بشيء، فإن ابن حجر قال في التقريب ص319 في ترجمة عبد الله بن كنانة: "3556- عبد الله ابن كنانة ابن العباس ابن مرداس السلمي [أبو كنانة] مجهول من السابعة". وفي التقريب في ترجمة كنانة بن العباسص462: "5667- كنانة ابن العباس ابن مرداس السلمي مجهول من الثالثة". وإسناد يكون فيه مجهولان لا يكون صالحا. ثم قال ابن حجر ص24: "قلت: جاء أيضاً عن عبادة بن الصامت و أنس بن مالك و عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبي هريرة و زيد جد عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد". ثم شرع في ذكر الطرق وبيان عللها، ومن أمثلها طريق أنس رضي الله عنه، قال ابن حجر رحمه الله في قوة الحجاج معلقا عليها ص26--29: "وأما حديث أنس فأخرجه أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في (مسنده)، قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج -هو السامي البصري- أنبأنا صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تطول على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة)) يقول: يا ملائكتي. انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا، يضربون إلي من كل فج عميق، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميعا ما سألوني غير التباعات التي بينهم. فإذا أفاض القوم إلى جمع، ودفعوا، وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله تعالى؛ فيقول الله تعالى: يا ملائكتي عبادي وقوفا فعادوا في الرغبة والطلب؛ فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني، وكفلت عنهم التبعات التي بينهم)). وهذا السند ضعيف، فإن صالحاً المري وشيخه ضعيفان. وقد أخرجه أحمد بن منيع في (مسنده) من وجه آخر عن صالح المري. وذكره الحافظ المنذري في (الترغيب) من رواية عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وقد كادت الشمس أن تغرب، فقال: ((يا بلال، أنصت الناس)). فقال بلال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فنصت الناس، فقال: ((معاشر الناس، أتاني جبريل آنفاً، وأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله عز وجل، غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات)). فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله. هذا لنا خاصة؟ قال: ((هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة)). فقال عمر: كثر والله خير الله وطاب. قلت: إن ثبت سنده إلى عبد الله بن المبارك فهو على شرط الصحيح. فقد أخرج البخاري من رواية الزبير بن عدي حديثاً ومسلم من روايته حديثاً آخر. وقد أخرج مسدد بن مسرهد في (مسنده) لهذه الطريق شاهداً من وجه آخر مرسل رجاله ثقات، ولكنه ليس بتمامه. 18- وأما حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}. عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا في". وبالبحث القاصر لم أجد هذا السند متصلا إلى ابن المبارك إلا ما جاء في الضعفاء للعقيلي في الكلام عن شبويه المروذي: 802 - حدثنا محمد بن خالد البردعي قال : حدثنا علي بن موفق قال : حدثنا شبويه المروزي قال : حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن الزبير بن عدي ، عن أنس قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم عرفة ، وكادت الشمس أن تغرب ، فقال : « يا بلال ، أنصت لي الناس » فقام بلال فقال : يا معشر الناس ، أنصتوا ، فقال : « أتاني جبريل عليه السلام آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال : إن الله قد غفر لأهل عرفات ما خلا التبعات ، أفيضوا بسم الله » قد روي في ، هذا المعنى بخلاف هذا اللفظ حديث العباس بن مرداس ، وحديث عن ابن عمر وغيره ، وأسانيدها لينة ، وفيه عن عائشة وجابر إسنادان صالحان. علق ابن حجر رحمه الله في لسان الميزان على هذه الطريق (4/231) في ترجمة شبويه هذا فقال: "3762 - شبويه. عنِ ابن المبارك فذكر حديثا منكرا. ذكره العقيلي , انتهى. -[232]-". فوصفه بأنه حديث منكر، وقد مر بك نقل كلام المنذري بتمامه، ولم يسم ما بينه وبين عبد الله بن المبارك، ولم يتعقبه الشيخ الألباني كما مر إلا بأن السند من ابن المبارك إلى أنس سند صحيح، فإن لم يكن إلى ابن المبارك طريق إلا التي ذكرها العقيلي عن شبويه فقد مر بك حكم الحافظ ابن حجر في لسان الميزان أنه منكر. قال ابن حجر في قوة الحجاج ص30 مختتما التعليق على شاهد أنس رضي الله عنه وهي أمثل طريق لهذا الحديث: "وقد أخرج مسدد بن مسرهد في (مسنده) لهذه الطريق شاهداً من وجه آخر مرسل رجاله ثقات، ولكنه ليس بتمامه". ومن أمثلها حديث ابن عمر رضي الله عنه حيث علق الحافظ ابن حجر على حكم ابن الجوزي على طرق الحديث بالوضع ومنها طريق ابن عمر فقال الحافظ ص37—38: "وأما حديث ابن عمر ففيه عبد العزيز بن أبي رواد وثقه يحيى القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والعجلي والدارقطني. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أحمد: كان صالحاً، وليس في الثبت مثل غيره. وتكلم فيه جماعة من أجل الإرجاء. قال القطان: لا يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. ومن كان هذا حاله لا يوصف حديثه بالوضع. وأما بشار فلم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وقد توبع. وقد نقله الحافظ عن الطبري وأبي نعيم وهذا لفظ الطبري كما ساقه في تفسير قول الله تعالى, {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}قال الطبري في تفسيره, (4/193-194): "3844 - حدثني مسلم بن حاتم الأنصاري، قال: حدثنا بشار بن بكير الحنفي، قالا حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، فقال:"أيها الناس إن الله تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل محسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم، إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله. فلما كان غداة جمع قال:"أيها الناس، إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله. فقال أصحابه: يا رسول الله، أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني سألت ربي بالأمس شيئا لم يجد لي به، سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل قال: إن ربك يقرئك السلام ويقول التبعات ضمنت عوضها من عندي"". وقد توهم عبارة ابن حجر رحمه الله في بشارة الحنفي أنه لم يجد للمتقدمين فيه كلاما أنه تعديل له، بل هي عبارة عن أن هذا الراوي مجهول، قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ما نصه (4/194): بشار بن بكير الحنفي: لم أجد له ترجمة بعد طول البحث والتتبع، حتى لقد ظننته محرفا لولا أن وجدته مذكورا أيضًا في إسناد هذا الحديث في الحلية لأبي نعيم"." وأما متابعه في الرواية عن ابن عمر وهو عبد الرحيم بن هارون الغساني فقد قال ابن حجر عنه في التقريب ص354: "4060- عبد الرحيم ابن هانئ [هارون] الغساني أبو هشام الواسطي نزيل بغداد ضعيف كذبه الدارقطني من التاسعة مات بعد المائتين". وقد ترك نقل كلام الحافظ ابن حجر عن غير هذه الطرق تجنبا للإطالة. والحاصل أنه لا يخلو طريق من طرق هذا الحديث من علة بانفراده، وبعض العلل أقوى من بعض، وعمدة من حسنه أو صححه كثرة طرق الحديث، وهو ما يعبر عنه بعضهم بقوله, (وكثرة طرقه تشعر بأن له أصلا)، قال ابن حجر رحمه الله في مقدمة قوة الحجاج ص19: "فإن المقبول ما اتصل سنده، وعدلت رجاله، أو اعتضد بعض طرقه ببعض حتى تحصل القوة بالصورة المجموعة، ولو كان كل طريق منها لو انفردت لم تكن القوة فيها مشروعة. وبهذا يظهر عذر أهل الحديث في تكثيرهم طرق الحديث الواحد ليعتمد عليه، إذ الإعراض عن ذلك يستلزم ترك الفقيه العمل بكثير من الأحاديث اعتماداً على ضعف الطريق التي اتصلت إليه". وقد مر نقل كلام البيهقي من الترغيب والترهيب للمنذري ونصه: " وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها في كتاب البعث فإن صح بشواهده ففيه الحجة وإن لم يصح فقد قال الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 84 وظلم بعضهم بعضا دون الشرك". وقد استشكل فهم هذا النص ونظائره لما يظن من معارضته لتلك النصوص المصرح فيها بأن تكفير الكبائر لا بد فيه من توبة, {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}، وغيرها، فكان ظن هذا التعارض مع ضعف إسناد كل طريق عونا لمن ضعف الحديث، ورد هذا الحديث أيضا بأنه ظني لا يعارض النصوص القطعية المشترطة للتوبة لتكفير الكبائر، ومن أهل العلم من جزم بأن التبعات لا بد فيها من القصاص، وكل هذا له وجهه، ولا تعارض بحمد الله، فإن الذي اشترط فقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}، هو القائل: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فالشرط على الاستحقاق للمؤاخذة بالعقوبة، ومناط المغفرة بالمشيئة التي هي عن علم وحكمة، فالمرتكب للكبيرة مستحق للمؤاخذة، وهذا ما المخلوق المذنب أهل له، والمغفرة لا تقع لكل مستحق للمؤاخذة، وهذا ليس عدلا فحسب، بل هو محض جود وفضل أيضا، وهذا لا يحيط به إلا من له العلم المطلق، والمربي فينا قد يعاقب أصحاب الخطأ الواحد بدرجات مختلفة في العقوبة تبعا لظروف وملابسات تخص كل فرد، فكيف بمن يربي العالمين بنعمه؟ وقد يسرق سارقان, أحدهما حمله على السرقة حاجة ملحة كما وقع في عام الرمادة، والآخر سرق ظلما وعدوانا، فالعدل ألا يعاملا بنفس الدرجة في العقوبة، وفي هذا قطع لمادة الرجاء المذموم لمن يتساهل في الذنوب والسيئات ويقول كلمة حق أراد بها باطلا، وهي مقولة: (يوم الجحيم ربي رحيم). زد على ذلك أن الله عز وجل بعلمه وحكمته كما أنه لا يساوي بين أهل عقوبته في العقوبة لما يختص به كل مستحق أذن بعقوبته، فكذلك هو أعلم بما يقوم بقلوب عباده المخلصين، فلا تكون المكافءة سواء, {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وكان ذلك على الله يسيرا}، وفي صحيح البخاري وغيره: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا ، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ ، ثُمَّ عَجَزُوا ، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، فَقَالَ : أَهْلُ الكِتَابَيْنِ : أَيْ رَبَّنَا ، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا ؟ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالُوا : لاَ ، قَالَ : فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ " * يزيد هذا بيانا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في معرض حديثه عن الأسباب العشرة التي تزول عقوبات الذنوب بها عن العبد، فحين تعرض للسبب الثالث وهو الحسنات الماحية قال (7/489-491): " وَسُؤَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ " فَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِوُجُوهِ. أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ. كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَةٌ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . (الثَّانِي) : أَنَّهُ قَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَدْ تَكُونُ مَعَ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي {قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ} وَفِي السُّنَنِ {أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ. فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ.} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي {حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ.} . (الثَّالِثُ) : أَنَّ {قَوْلَهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ} إنْ حُمِلَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَوْ عَلَى الْمَغْفِرَةِ مَعَ التَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. فَكَمَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْكُفْرِ لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الصَّغَائِرِ الْمُكَفَّرَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. (الرَّابِعُ) : أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ {حَدِيثٍ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ الْمُكَمِّلَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى جبران وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ الْمَتْرُوكِ وَالْمَفْعُولِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يَكْمُلُ نَقْصُ الْفَرَائِضِ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ النَّافِلَةَ حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ مَعَ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُعَارِضًا لِلْأَوَّلِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ وَأَشْهَرُ وَهَذَا غَرِيبٌ رَفْعُهُ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ فِي وَصِيَّةِ أَبِي بَكْر لِعُمَرِ؛ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَحْمَد فِي " رِسَالَتِهِ فِي الصَّلَاةِ ". وَذَلِكَ لِأَنَّ قَبُولَ النَّافِلَةِ يُرَادُ بِهِ الثَّوَابُ عَلَيْهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى النَّافِلَةِ حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ النَّافِلَةَ مَعَ نَقْصِ الْفَرِيضَةِ كَانَتْ جَبْرًا لَهَا وَإِكْمَالًا لَهَا. فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَوَابُ نَافِلَةٍ". إلى أن قال (7/492): " وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ وَإِنْ جَازَ مَعَ إخْلَالِهِ أَنْ يَرْتَفِعَ الْعِقَابُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَمِيَ مِنْ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ وَإِنْ كَانَ مَعَ تَنَاوُلِهِ لَهَا يُمْكِنُ رَفْعُ ضَرَرِهَا بِأَسْبَابِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ. وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ رَحِيمٌ - أَمَرَهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يُفْسِدُهُمْ ثُمَّ إذَا وَقَعُوا فِي أَسْبَابِ الْهَلَاكِ لَمْ يؤيسهم مِنْ رَحْمَتِهِ بَلْ جَعَلَ لَهُمْ أَسْبَابًا يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إلَى رَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ الْفَقِيهَ كُلُّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ". فلا مانع من تخصيص الحجاج أصحاب ا لعقيدة السليمة بهذا الفضل العظيم من الحليم الكريم لأنه ملك كريممع فضل الزمان والمكان، وشرف عبادة الحج، وشرف ركنها الأعظم, وهو الوقوف بعرفة. فهذا حديث عظيم قال عنه البيهقي إن صح فبمجموع طرقه، وذكر العقيلي أن له إسنادان صالحان، فأما إسناد عبد الله بن المبارك فلم يذكر له في المنقولات أعلاه مصدر، ولو ثبت من غير إسناد العقيلي لكفى بهذا الطريق في إثبات صحة الحديث، وإسناد العقيلي فيه شبويه المروذي. وقد ذكر السيوطي في تفسيره للآية {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}، طريق ابن المبارك للحديث بصيغة {وروى ابن المبارك} بدون ذكر من رواه عنه ولا الكتاب الوارد فيه, فلعله قلد المنذري في الترغيب والترهيب، كما أن شواهد الحديث المذكورة فيها من نص أهل العلم على أنه لا بأس به في الرقائق، وهذا الحديث منها. ومعنى التبعات ما يكون بين العباد بعضهم مع بعض يضمنها الله عز وجل لمن وقف بعرفة، فاللهم نسألك من فضلك. 14 . وفي عرفاتٍ إن تسل عن كرامة فكم من مدانٍ في المعالي سيسمق 15 . فيا واقفا فيها، لك السعد والهنا سيحبوك ربي بعد ما كدت تُوبقُ 16 . سيحبوك بالغفران إن جئت تائبا ويَضْمَنُ حق الخصم عنك ويرفقُ 17 . أيا قاصدي البيت الحرام، رحلتمُ فمن راعه توديعكم كيف يلحقُ؟ 18 . تمادى بكم سيرٌ، وأزعجنا النوى تَؤُمُّون أفضالا، وبالبين نَشَرقُ 19 . وهَّيجتم الشعر الذي قد وأدتُه وغَّيبته مذ كان بالغي يُلحِقُ 20 . يقولون في الله العزاء، صدقتمُ فهلا عقِلتم ما له النفس تَشهق 21 . (براءةُ) فيها ذكر من فاض دمعهم فما لهمُ مال، ولا الظهر أَوْثقوا 22 . وقد شركوا في الأجر، وهو عزاؤهم ولكنَّ عجز المرء يُدمِي ويُحرِق 23 . وإِشْراكهم في الأجر فضل ومنة ولكنْ، لهم بالبذل قلب معلق 24 . مرادهم الأسنى إطاعة ربهم ولو كان في ذاك الهلاك المحققُ 25 . إذا كان ذا شغل المُحِب فلا تسل فهِمَّتُه في شغله كيف يسبقُ 26 . ونيل رضا محبوبه غاية المنى فيا حزنه إن جاءه ما يُعوِّقُ 27 . وما عندنا إلا دعاوى، فيا ترى إذا حان وقت الجد فيها أنصدقُ؟ 28 . بذاك نمني النفس، وهي هزيلة ولله ألطاف على العبد تُغْدَقُ 29 . إذا هل عشر الحج تهفو نفوسنا فهل شمس حجي عن قريبٍ ستشرقُ؟ 30 . عزائيَ أن الله يجبر فَاَقتي،=يععلم حاجتي، =جابر فاقتي هو المرتجى، والله بالعبد أرفقُ 31> ولست لذا أهلا، فإني مضيع ولكنه بالجود بالرفق أسبقُ 32 . ولست لذا أهلا، ولكنَّ جوده على الضائع الموتور بالرفقِ أسبقُ

الثلاثاء، 22 أغسطس 2017

قصيدة حنانيك يا أشواق:

حنانيك يا أشواق: 1 . أما تشفق الأشواق أو تترفق فكم أضرمت في القلب حزنا يُمزِّقُ 2 . وأنى لها! والعشر روض تنَوَّرت لها قسمات الحب بالبشر تَعْبَقُ 3 . وفاح أريج البر منها، فرفرفت بها راحة الأرواح وهي تَأَلَّقُ 4 . خمائلُ إيمانٍ، بِهِنَّ تفجرت ينابيع فَيْضٍ، بالثواب تَرَقْرَقُ 5 . فتثمرُ أدناها انشراحا وبهجةً وأما أعاليها فبالقُربِ تُغْدِقُ 6 . ولست أرى الأشواق يخبو لهيبها فتلك ركاب الوافدين تَدفَّقُ 7 . إلى خير أرض الله حنت قلوبهم لهم من سنا الإيمان في الوجه رونق 8 . فهلا عذرت الطرف وهو يراهمُ يسح دموعا وهو هيمان يرمُقُ 9 . ويا لذة الأسماع حين يهزها حنين تراقيهم ب(لبيك) ينطق 10 . ويا لوعة القلب الذي هده النوى لعبرته الحرى وَجِيبٌ مُؤَرِّقُ 11 . ويا ذلة الحرمان! ما آبَ آيِبٌ بحج وغفران وفي الذنب نغرقُ 12 . إذا أحرموا حبا ورِقّاً وأسوة فيا حبَّذا ذاك البهاء المُؤَنَّقُ 13 . وقد أرخصوا بذل النفيس لحجهم فيا نعم ما أَمُّوا، وما فيه أنفقوا 14 . وفي عرفاتٍ إن تسل عن كرامة فكم من مدانٍ في المعالي سيسمق 15 . فيا واقفا فيها، لك السعد والهنا سيحبوك ربي بعد ما كدت تُبَقُ 16 . سيحبوك بالغفران إن جئت تائبا ويَضْمَنُ حق الخصم عنك ويرفقُ 17 . أيا قاصدي البيت الحرام، رحلتمُ فمن راعه توديعكم كيف يلحقُ؟ 18 . تمادى بكم سيرٌ، وأزعجنا النوى تَؤُمُّون أفضالا، وبالبين نَشَرقُ 19 . وهَّيجتم الشعر الذي قد وأدتُه وغَّيبته مذ كان بالغي يُلحِقُ 20 . يقولون في الله العزاء، صدقتمُ فهلا عقِلتم ما له النفس تَشهق 21 . (براءةُ) فيها ذكر من فاض دمعهم فما لهمُ مال، ولا الظهر أَوْثقوا 22 . وقد شركوا في الأجر، وهو عزاؤهم ولكنَّ عجز المرء يُدمِي ويُحرِق 23 . وإِشْراكهم في الأجر فضل ومنة ولكنْ، لهم بالبذل قلب معلق 24 . مرادهم الأسنى إطاعة ربهم ولو كان في ذاك الهلاك المحققُ 25 . إذا كان ذا شغل المُحِب فلا تسل فهِمَّتُه في شغله كيف يسبقُ 26 . ونيل رضا محبوبه غاية المنى فيا حزنه إن جاءه ما يُعوِّقُ 27 . وما عندنا إلا دعاوى، فيا ترى إذا حان وقت الجد فيها أنصدقُ؟ 28 . بذاك نمني النفس، وهي هزيلة ولله ألطاف على العبد تُغْدَقُ 29 . إذا هل عشر الحج تهفو نفوسنا فهل شمس حجي عن قريبٍ ستشرقُ؟ 30 . عزائيَ أن الله يجبر فَاَقتي هو المرتجى، والله بالعبد أرفقُ 31 . ولست لذا أهلا، ولكنَّ جوده على الضائع الموتور بالرفقِ أسبقُ

الاثنين، 29 مايو 2017

غلط الاستدلال بفتوى الشيخ العثيمين في قول (رمضان كريم) على المنع من الثناء على شهر رمضان بأنه كريم

الاستدلال بفتوى الشيخ العثيمين في قول (رمضان كريم) على المنع من الثناء على شهر رمضان بأنه كريم استدلال مجانب للصواب: إذا كتبت رسالة تهنئة برمضان وذكرت فيها, الشهر الكريم، بادرك بعض الإخوة بأنها كلمة لا تجوز وقد نهى الشيخ العثيمين عنها، وينقل الفتوى التالية: سُئل العلامة الفقيه ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن الصائم حينما يقع في معصية من المعاصي ويُنهى عنها ، يقول : «رمضان كريم» !!! فما حكم هذه الكلمة ؟ وما حكم هذا التصرف ؟ فأجاب رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء بقوله : ( حكم ذلك أن هذه الكلمة «رمضان كريم» غير صحيحة ، وإنما يقال: « رمضان مبارك » وما أشبه ذلك ؛ لأن رمضان ليس هو الذي يعطي حتى يكون كريماً، وإنما الله تعالى هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهراً فاضلاً، ووقتاً لأداء ركن من أركان الإسلام، وكأن هذا القائل يظن أنه لشرف الزمان يجوز فيه فعل المعاصي، وهذا خلاف ما قاله أهل العلم بأن السيئات تعظم في الزمان والمكان الفاضل، عكس ما يتصوره هذا القائل، وقالوا: يجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل في كل وقت وفي كل مكان، لاسيما في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة، وقد قال الله عز وجل : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فالحكمة من فرض الصوم تقوى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فالصيام عبادة لله، وتربية للنفس وصيانة لها عن محارم الله، وليس كما قال هذا الجاهل: إن هذا الشهر لشرفه وبركته يسوغ فيه فعل المعاصي.) انتهى من مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (ج 20 / رقم 254 ) https://www.sahab.net/forums/index.p...opic&id=130714 ورحم الله العلماء حيث اشترطوا في إنكار المنكر أن يكون المنكر عالما بالمسألة التي ينكر فيها على من تلبس بها، ولا يقولن قائل أنا مقلد لإمام، لأنه سيقال له افهم كلام الإمام على مراده ثم قلد. الفتوى احتوت على أمور: الأمر الأول: يظهر من سياق السؤال وهو الاحتجاج على المعصية بهذه المقولة من العوام لمن ينهاهم عن معصية ما (رمضان كريم)، وقد انصب عليها أكثر كلام الشيخ. الأمر الثاني: مقصد المتكلم الذي أنكر عليه الشيخقوله, (رمضان كريم)، بأن نسب الكرم للشهر، وهو الاستهانة بالمعصية بحجة نسبة الكرم للشهر فليس السياق سياق تهنئى أو ثناء على الشهر. الأمر الثالث: إنكار الشيخ بأن كلمة كريم لا يفهم منها إلا المعطي إنكار على ما عناه المتكلم من هذه العبارة، وليس مقصد الشيخ أن كريم لا يفهم منها إلا ذلك، يشهد بذلك تفسير الشيخ وشروحه اللغوية، فالشيخ فيما نحسبه أعلى مكانة من أن يخفى عليه مثل هذا، وكلمة كريم وصفت بها أمور عدة في كتاب الله عز وجل منها قول الله تعالى: {إني ألقي إلي كتاب كريم}، وقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم}، ومن راجع تفسير جميع هذه الآيات من كلام الشيخ عرف أنه يعلم المعاني العديدة لكلمة كريم، جاء في لسان العرب: كرم : الكريم : من صفات الله وأسمائه ، وهو الكثير الخير الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه ، وهو الكريم المطلق . والكريم : الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل . والكريم . اسم جامع لكل ما يحمد فالله عز وجل كريم حميد الفعال ، ورب العرش الكريم العظيم . ابن سيده : الكرم نقيض اللؤم ، يكون في الرجل بنفسه ، وإن لم يكن له آباء ، وفي اللسان أيضا: والكريم : الصفوح . وفيه أيضا: والكريم : الذي كرم نفسه عن التدنس بشيء من مخالفة ربه . وكتب د. عرفات المحمدي عن الثناء على شهر رمضان بأنه شهر كريم بعض الأسطر في سياق الرد على الاستدلال بهذه الفتوى، وهذا نص كلامه: وصف الله سبحانه في كتابه عددًا من مخلوقاته بالكرم فقال الله تعالى:(وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (مَلَكٌ كَرِيمٌ) (زَوْجٍ كَرِيمٍ) (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ).وأصل معنى هذا الكلمة: الشرف.قال ابن فارس في مقاييس اللغة (5/171-172): [(كرم) الكاف والراء والميم أصلٌ صحيح له بابان: أحدهما شَرَف ٌفي الشَّيء في نفسِه أو شرفٌ في خُلُق من الأخلاق. يقال رجلٌ كريم، وفرسٌ كريم، ونبات كريم. وأكرَمَ الرّجلُ، إذا أتَى بأولادٍ كرام. واستَكْرَم: اتَّخَذَ عِلْقاً كريماً. وكَرُم السّحابُ: أتَى بالغَيث. وأرضٌ مَكرَُمةٌ للنَّبات، إذا كانت جيِّدة النبات. والكَرَم في الخُلْق يقال هو الصَّفح عن ذنبِ المُذنب. قال عبدُ الله بنُ مسلِم بن قُتيبة: الكريم: الصَّفوح. والله تعالى هو الكريم الصَّفوح عن ذنوب عبادِه المؤمنين...].وإذا نظرنا في عدة آيات من كتاب الله سنرى أن السياف وإن اختلف فأصله الشرف.وسأكتفي بنقل من كتاب عظيم هو كتاب (تأويل مشكل القرآن) لابن قتيبة رحمه الله حيث قال (494): (الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) أي: أفضلكم. وقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) أي: شرفناهم وفضلناهم. وقال حكاية عن إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي: فضلت. وقال: (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ) أي: فضله. وقال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ). أي: الشريف الفاضل. وقال: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) أي: شريفًا. وقال: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) أي شريف لشرف كاتبه، ويقال: شريف بالختم.والكريم: الصفوح. وذلك من الشرف والفضل. قال الله عز وجل (فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) أي: صفوح. وقال (ما غرك بربك الكريم) أي الصفوح.والكريم: الكثير الكرم قال الله تعالى: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: كثير.والكريم: الحسن، وذلك من الفضل. قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) أي: حسن. وكذلك قوله: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي: حسن يُبتهج به. وقال تعالى: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي: حسنًا. وهذا وإن اختلف، فأصله الشرف). قلت: فظهر من كلام هذا الإمام رحمه الله أن الكريم يأتي على عدة أوجه وهي: (الشريف - الفاضل - الحسن - الصفوح - الكثير). وزاد ابن الجوزي في نزهة الأعين (522) معنىً سادسًا وهو: المتكبر. كما في قوله تعالى(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ). وزاد أيضًا (التقي) كما في قوله تعالى: (كِرَامًا كَاتِبِينَ).(كِرَامٍ بَرَرَةٍ). ثم استدرك فقال: ولو ألحق هذا القسم بالأول كان حسنًا.والقسم الأول هو (الفاضل). راجع كلامه في نزهة الأعين ص (521-522). قلت:في قوله تعالى (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ). قال البغوي في معالم التنزيل (3/416): (...وروي عن ابن عباس: "كريم"، أي: شريف لشرف صاحبه). قال ابن كثير (6/18: (تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم). قال الشوكاني في فتح القدير (4/181): (ووصفت الكتاب بالكريم لكونه من عند عظيم في نفسها إجلالا لسليمان وقيل وصفته بذلك لاشتماله على كلام حسن وقيل وصفته بذلك لكونه وصل إليها مختوما بخاتم سليمان وكرامة الكتاب ختمه كما روي ذلك مرفوعا). قلت: الحديث المرفوع ضعيف جدا. وقال ابن سعدي رحمه الله في تفسيره: أي جليل المقدار. وقد استخدم هذا التعبير (شهر كريم) عدد من أهل العلم منهم: الإمام محمد بن عبد الوهاب في فتاويه (2/193) في خطبة جمعة قال: (واعلموا أنه قد نزل بساحتكم شهر كريم، وموسم عظيم). الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم في فتاويه (4/14) حيث قال: (وينبغي للإنسان الاستكثار من صدقة التطوع أيضاً في هذا الشهر الكريم والموسم العظيم). وقال في (4/207): (قد نزل بساحة المسلمين شهر كريم وموسم عظيم). وقال ابن سعدي في مجموع الخطب النافعة ضمن المجموع (23/62): (واعلموا أنه قد أظلكم شهر عظيم، وموسم مبارك كريم...). وفي عدة مواضع من خطبه كما في (23/323). والشيخ العلامة ابن باز في عدة مواضع من فتاويه وخذ على سبيل المثال:في (11/334): (وحتى يفوز الجميع بالأجر العظيم في هذا الشهر الكريم).وفي (15/4: (ولاسيما في هذا الشهر الكريم؛ لأنه شهر عظيم تضاعف فيه الأعمال الصالحات). واستخدمها الشيخ ابن عثيمين نفسه رحمه الله ففي المجلس الأول ص (4) قال رحمه الله: (لقد أظلنا شهر كريم وموسم عظيم).وفي المجلس الثامن والعشرون قال رحمه الله: (إن شهركم الكريم قد عزم على الرحيل).وفي خطب الشيخ (الضياء اللامع) استخدمها في عدة مواضع.وفي فتاوى الصيام (17). وهناك أسئلة عرضت على اللجنة الدائمة وفيها - أعني السؤالات - وصف الشهر (بالكريم). ففي فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى (5/393)وفي فتاوى اللجنة أيضًا المجموعة الثانية (2/224). هذا ووفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

الخميس، 18 مايو 2017

ضوابط استعمال الخداع والكذب من باب النكاية في العدو في الحرب:

ضوابط استعمال الخداع والكذب من باب النكاية في العدو في الحرب:
يطبق المبتدعة ومن لا علم عندهم بعض النصصوص على هوى أو جهل بدون النظر في كلام أهل العلم وسؤالهم، ومن ذلك استعمال الخداع والكذب في في الحرب بلا ضابط, فتعج وسائل الإعلام بسيل من الأكاذيب بلا ضابط شرعي، وبلا استشارة ولاة الأمر من حكام وعلماء في ذلك.
جاء في صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي وغيرها من كتب السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: {الحرب خدعة}.
قال الترمذي رحمه الله: وفي الباب عن علي وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد بن السكن وكعب بن مالك وأنس وهذا حديث حسن صحيح. ا.ه رحمه الله

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي معلقا على رواية الترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب:
قوله : ( وفي الباب عن علي وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد وكعب بن مالك وأنس بن مالك ) أما حديث علي فأخرجه أحمد وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه الطبراني في الكبير ، وأما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا ابن ماجه ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان ، وأما حديث أسماء بنت يزيد فأخرجه أحمد والترمذي في باب إصلاح ذات البين من أبواب البر والصلة ، وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه أبو داود ، وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه أحمد وابن حبان .
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود .

فهذه الأحغاديث التي ذكرها الترمذي والمباركفوري منها ما هو نص في ذكر الخديعة بعموم، ومنها ما فيه النص على استعمال الكذب في الحرب على أنه وسيلة من وسائل المخادعة والنكاية في العدو.
وقد ضبطت هذه الكلمة على عدة صيغ ، نقل ذلك المباركفوري فقال:
قَوْلُهُ : ( الْحَرْبُ خَدْعَةٌ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَفْصَحَهُنَّ خَدْعَةٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ : وَهِيَ لُغَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ ، وَالثَّالِثَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ . ا.ه رحمه الله
ثم نقل كلام القاضي عياض فقال:
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ بَعْدَ ذِكْرِ أَرْبَعِ لُغَاتٍ فِيهَا وَهِيَ الْخَدْعَةُ وَالْخُدْعَةُ وَالْخُدَعَةُ وَالْخَدَعَةُ. ا.ه رحمه الله

ونقل المباركفوري في تحفة الأحوذي في شرحه للكتاب والباب المذكورين آنفا كلام العلماء فيما يجوز من الكذب على أنه وسيلة من وسائل النكاية والمكيدة في الحرب فقال:
وقد صحح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب ، قال الطبري : إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب ، فإنه لا يحل . قال النووي : والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل . وقال ابن العربي : الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم ، إليه وليس للعقل فيه مجال ، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى . وقال القاضي عياض في المشارق بعد ذكر أربع لغات فيها وهي الخدعة والخدعة والخدعة والخدعة ما لفظه : فالخدعة بمعنى أن أمرها ينقضي بخدعة واحدة يخدع بها المخدوع فتزل قدمه ولا يجد لها تلافيا ولا إقالة ، فكأنه نبه على أخذ الحذر من ذلك ، ومن ضم الخاء وفتح الدال نسب الفعل إليها أي تخدع هي من اطمأن إليها أو أن أهلها يخدعون فيها ، ومن فتحهما جميعا كان جمع خادع ، يعني أن أهلها بهذه الصفة فلا تطمئن إليهم ، كأنه قال أهل الحرب خدعة ، وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه . وقال التوربشتي : روي ذلك من وجوه ثلاثة بفتح الخاء وسكون الدال أي أنها خدعة واحدة من تيسرت له حق له الظفر ، وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة ، وبضم الخاء وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما تخيل إليه وتمنيه ، ثم إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه انتهى . ا.ه رحمه الله

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحرب خدعة ، ومعناه: أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا يدركه بالقوة والعدد وذلك مجرب معروف، وذلك من دون إخلال بالعهود والمواثيق. وقد وقع في يوم الأحزاب من الخديعة للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من أسباب خذلان الكافرين وتفريق شملهم واختلاف كلمتهم وإعزاز المسلمين ونصرهم عليهم. وذلك من فضل الله ونصره لأوليائه ومكره لهم كما قال عز وجل.
http://www.alifta.net/fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=4&View=Page&PageNo=6&PageID=952
وسئل الشيخ صالح الفوزان:
السؤال:
يسأل عن الكذب هل هناك كذب مباح وكذب غير مباح ؟


الجواب : الكذب حرام، الأصل فيه أنه حرام، وكبيرة من كبائر الذنوب ( فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ولكن يباح للمصلحة - إذا كان فيه مصلحة- وذلك في ثلاث مسائل محصورة : الأول : كذب أحد الزوجين على الآخر من أجل البقاء الزوجية والعشرة . الثاني : الكذب لأجل إصلاح ذات البين، يكذب لأجل أن يصلح بين ذات البين، إذا كان بين اثنين
من المسلمين نزاع أو تشاحن أو تباغض تدخل من يصلح بينهما ولو كذب كأن يقول فلان يحبك، وفلان يريد الالتقاء بك ، وتصالح معك ثم يروح للآخر يقول مثل ذلك ثم يتقاربان ويتصالحان الثالث : الكذب في الحرب ـ الكذب في الحرب على العدو؛ لأن الحرب خدعة .
http://www.alfawzan.af.org.sa/sites/default/files/al%20kajb_0.mp3

فليت شعري أين المتساهلون في استعمال الكذب بتوسع من هذا الكلام؟

وقد نبه الحافظ ابن حجر على فوائد الحديث في الفتح في شرحه لكتاب الجهاد من صحيح البخاري ومنها قوله:
وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب ، والندب إلى خداع الكفار ، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه ، قال النووي : واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن ، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز ، قال ابن العربي : الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك .
وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب : بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة ، وكذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث ، وهو كقوله " الحج عرفة " ، قال ابن المنير : معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة ، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر .

وأما ما يصنع للحفاظ على الروح المعنوية, كإعلان النصر عندى الهزيمة، أو ادعاء غير الواقع فلم يشمله أحد ممن ذكر أعلاه من أهل العلم في حديث {الحرب خدعة}، وإنما جاء ذكر اللحن أو التورية أو المعاريض، وكتم بعض الأخبار للمصلحة، وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وهو ثقة كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء وغيره وصرح ابن إسحاق بالتحديث عنه لكن عاصما لم يسند الخبر، ورواه عن ابن إسحاق البيهقي في دلائل النبوة في خبر نقض بني قريظة للعهد يوم الأحزاب، قال البيهقي في الدلائل:
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ , قَالَ : لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُ كَعْبٍ ، وَنَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ ، بَعَثَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَوْسِ ، وَكَانَ مَعَهُمَا فِيمَا يَذْكُرُونَ وَهُوَ تَبَعٌ لَهُمَا خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَقَالَ : " ائْتُوا هَؤُلاءِ الْقَوْمَ ، فَانْظُرُوا ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَأَعْلِنُوهُ ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا بَلَغَنَا عَنْهُمْ ، فَالْحَنُوا لِي عَنْهُمْ لَحْنًا أَعْرِفُهُ ، وَلا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ الْمُسْلِمِينَ " , فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِمْ وَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ ، وَقَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا : لا عَقْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَلا عَهْدَ ، فَبَادَأَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَكَانَ رَجُلا فِيهِ حَدٌّ بِالْمُشَاتَمَةِ ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : دَعْهُمْ عَنْكَ ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنَ الْمُشَاتَمَةِ ، ثُمَّ أَقْبَلُوا فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالُوا : عَضَلٌ وَالْقَارَةُ ، يُرِيدُونَ مَا فَعَلَ عَضَلٌ وَالْقَارَةُ بِخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ " .

وقد فسر ابن هشام (عضل والقارة)، فقال: أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه. ا.ه رحمه الله
ورواه ابن جرير الطبري في تفسير قول الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم} الآية بأسانيد عدة وبسياق أطول فقال:
حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير ، عن عروة بن الزبير ، وعمن لا أتهم ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك ، وعن الزهري ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعن محمد بن كعب القرظي ، وعن غيرهم......
ثم ذكر الخبر بطوله،
قال السهيلي رحمه الله في الروض الأنف:
وذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس اللحن العدول بالكلام على الوجه المعروف عند الناس إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول عن الصواب المعروف .
قال السيرافي : ما عرفت حقيقة معنى النحو إلا من معنى اللحن الذي هو ضده فإن اللحن عدول عن طريق الصواب والنحو قصد إلى الصواب وأما اللحن بفتح الحاء فأصله من هذا إلا أنه إذا لحن لك لتفهم عنه ففهمت سمي ذلك الفهم لحنا ، ثم قيل لكل من فهم قد لحن بكسر الحاء وأصله ما ذكرناه من الفهم عن اللاحن.
قال الجاحظ في قول مالك بن أسماء [ بن خارجة الفزاري ] :
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
أراد أن اللحن الذي هو الخطأ قد يستملح ويستطاب من الجارية الحديثة السن وخطئ الجاحظ في هذا التأويل وأخبر بما قاله الحجاج بن يوسف لامرأته هند بنت أسماء بن خارجة حين لحنت فأنكر عليها ، اللحن فاحتجت بقول أخيها مالك بن أسماء وخير الحديث ما كان لحنا
فقال لها الحجاج لم يرد أخوك هذا ، إنما أراد اللحن الذي هو التورية والإلغاز فسكتت فلما حدث الجاحظ بهذا الحديث قال لو كان بلغني هذا قبل أن أؤلف كتاب البيان ما قلت في ذلك ما قلت ، فقيل له أفلا تغيره ؟ فقال كيف وقد سارت به البغال الشهب وأنجد في البلاد وغار . وكما قال الجاحظ في معنى تلحن أحيانا قال ابن قتيبة مثله أو قريبا منه . ا.ه رحمه الله
فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإخبار بخلاف الواقع من باب الحيلة بل أمر بالمعاريض أو التورية أو اللحن، وكان الغرض من اللحن لئلا يكون الرعب الداخلي في الصف من تألب الأعداء بالداخل والخارج، قال السهيلي بعد ذلك:
وقوله يفت في أعضاد الناس أي يكسر من قوتهم ويوهنهم وضرب العضد مثلا ، والفت : الكسر وقال في أعضادهم ولم يقل يفت أعضادهم لأنه كناية عن الرعب الداخل في القلب ولم يرد كسرا حقيقيا ، ولا العضد الذي هو العضو وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن وهو من أفصح الكلام . ا.ه رحمه الله

ولا يخفى أن المعاريض تجوز للحاجة، وفيها سعة تغني عن الكذب، قال ابن مفلح في الآداب الشرعية في » فصل في إباحة المعاريض ومحلها:
وقد روي { إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب } هذا ثابت عن إبراهيم النخعي . وروي مرفوعا وليس هو في مسند أحمد ولا الكتب الستة ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المعاريض عن إسماعيل بن إبراهيم بن بسام عن داود بن الزبرقان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب } . ورواه أيضا عن أبي زيد النميري حدثنا الربيع بن محبور حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري عن سعيد فذكره ، وداود والعباس ضعيفان عند المحدثين قال ابن عدي : مع ضعفهما يكتب حديثهما
وقد ذكر في المغني هذا الخبر تعليقا بصيغة الجزم محتجا به ولم يعزه إلى كتاب والله أعلم .

وفي تفسير ابن الجوزي في قوله تعالى { بل فعله كبيرهم هذا } المعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج إليها ثم ذكر خبر عمران بن حصين ولم يعزه قال : وقال عمر بن الخطاب : ما يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي .

وقال النخعي : لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرءون به عن أنفسهم قال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف. ا.ه رحمه الله

يتلخص من هذا ما يلي:
--أن ضوابط الكذب في الحرب أن تكون هناك حالة حرب.
--أن يكون الخداع للعدو من باب إعمال الحيلة للنكاية به والوصول للنتيجة المرجوة بأقل خسائر.
--ألا يكون بنقض عهود أو مواثيق, فلا يعطى الأمان ثم يغدر به.
--إن أمكن الاستعاضة عن الكذب بالمعاريض فهو الأولى كما قال بعض أهل العلم.
--أما في إن اشتد الخطب واحتيج للمحافظة على الروح المعنوية فتستعمل المعاريض أو كتمان بعض ما يعلم لئلا تضعف الروح المعنوية.
--وأما التوسع في استعمال الكذب بغير ضوابط في الحرب، أو الكذب على الجيش المقاتل أو على الناس بإعلان ما يخالف غير الواقع فأمر يحتاج إلى صحة دليل، وصحة استدلال بهذا الدليل، وحديث {الحرب خدعة} في الصحيح، لكن الاستدلال به على التوسع في الكذب بلا ضابط ليس عليه العمل كما علمت، والله أعلم.

الأربعاء، 10 مايو 2017

تنبيهات حول كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني:

تنبيهات حول كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: --توطئة: لا شك أن من منن الله علينا كثرة الحفاظ في وقتنا هذا لكتاب الله عز وجل، لكن مع كثرة الحفاظ يفشو الجهل بينهم فضلا عن غيرهم بمعاني ألفاظه فضلا عن تراكيبه وبلاغته، ومن التفاسير الموجزة التي حذر منها العلماء تفسير الجلالين لما فيه من مخالفة لعقيدة السلف أهل السنة والجماعة، ومع هذا تجد من يحسن الظن بكتاب الراغب الأصفهاني رحمه الله فنصح بالاستفادة منه بدون بيان لما فيه، مع أن كتاب المفردات في غريب القرآن استعمل التأويل بالمجاز في صفات الباري عز وجل وغيرها، قال في مقدمة المفردات: فنقدم ما أوله الالف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم معتبرا فيه أوائل حروفه الاصلية دون الزوائد، والاشارة فيه إلى المناسبات التى بين الالفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب، وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الالفاظ على الرسالة التى عملتها مختصة بهذا الباب. ا.ه رحمه الله وكلامه مخالف لعقيدة أهل الحديث في صفات الباري عز وجل. أما الذهبي رحمه الله في السير فقال في ترجمته (13/341): "4151- الراغب: العَلاَّمَةُ المَاهِرُ المُحَقِّقُ البَاهِرُ أَبُو القَاسِمِ؛ الحُسَيْنُ بن محمد بنِ المُفَضَّلِ الأَصْبَهَانِيُّ، المُلَقَّبُ بِالرَّاغِبِ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. كَانَ مِنْ أَذكيَاء المتكلِّمِين لَمْ أَظفر لَهُ بِوَفَاة وَلاَ بتَرْجَمَة. وَكَانَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي هَذَا الوَقْت حياً يُسْأَل عَنْهُ لَعَلَّهُ في الألقاب لابن الفوطي". فهذا الذهبي رحمه الله على جلالته لم يذكر في ترجمته إلا أنه من أذكياء المتكلمين لما خفيت عليه كثير من أخباره، وأحال في ترجمته على كتاب ابن الفوطي. وذكر بعض أهل العلم كلاما في عقيدته، قال الشيخ عبد الرحمن كوني حفظه الله في محاضرته مقدمة في علم اللغة العربية لما سؤل, السؤال الرابع : أحسن الله إليكم , سائل يقول : ما هو أجود معجم أو قاموس في شرح غريب ألفاظ القرآن , وفي شرح غريب الحديث , وفي شرح الألفاظ العربية الغريبة عموماً ؟ فأجاب حفظه الله: : إذا خصه بألفاظ القرآن فهذا المعروف فيه [المفردات في غريب القرآن ] للأصفهاني , لكن بعض المفسرين الذين فسروا القرآن كله تجد بعضهم يجيدون تفسير مفردات القرآن إجادة جيدة تامة , تجد هذا مثلاً عند ]القرطبي [لكن ليس خاصا بتفسير الغريب فقط , أما الخاص بتفسير الغريب هو[ المفردات] للراغب الأصفهاني , هذا مشهور وإن كان هو أيضاً فيه شيء من الأشعرية في الحقيقة , لكن [المفردات] هذه هي جيدة ليست في بعض المفردات التي يحصل فيها شيء من التفسير إذا كانت هذه المفردة تتعلق بالله كالساق مثلاً كقوله تعالى : (يوم يكشف عن ساق ) , قد تجد عنده أحياناً تفسيرا له على ما عند الأشاعرة , ا.ه فأنت ترى الشيخ حفظه الله نصح بكتابه مع قيامه بالواجب الشرعي ببيان أنه يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الباري عز وجل، ولكن سترى فيما يأتيك من نقول أن الراغب رحمه الله لا يكتفي بتأويل صفات الباري عز وجل فحسب، بل يقول بالحقيقة والمجاز على فرضية وجود وضع سابق للفظ وهذا دون إثباته خرط القتاد كما قال غير واحد من علماء السنة، ولا يقف في هذا عند صفات الباري عز وجل بل جاوزه إلى غيره, كتأويله للموت في آية من كتاب الله بالحزن، فكيف يمكن أن يستفيد من هذا الكتاب من لا علم له بالحقيقة والمجاز؟ فحيث وجد الذكاء في متكلم فإنه لا يؤمن الدس لا في الأسماء والصفات فحسب بل فيما يوصل إليها من علوم, كما سترى في تأويل صفة النظر، والدعاوى تظل دعاوى ما لم تقم عليها بينات. --إثبات أنه من المتكلمين: فأما إثبات أنه متكلم فيكفي فيه هذا النص من رسالته, الذريعة إلى مكارم الشريعة حيث يقول في الفصل الثاني في العقل والعلم والنطق وما يتعلق بها وما يضادها عند كلامه عن ثمرة العقل من معرفة اللَّه تعالى الضرورية والمكتسبةص154-155: "وغاية معرفة الإنسان بربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة، ويعرف أثر الصنعة فيها، وأنها محدثة وأن محدثها ليس إيَّاها ولا مثلًا لها، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه، وبهذا النظر قال الصديق - رضي الله عنه -: " سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته "، بل لهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذاته "". فأنه استدلبحديث, {تفكروا في آلاء الله} على النظر الذي هو عنده معرفة مكتسبة يبحث فيها عن إثبات وجود الله من خلال آياته الكونية، أي قدرة الله على الاختراع كما يقول المتكلمون، ولما كان المعول عليه في ذلك العقل كانت النتيجة أن هذا النظر غاية ما يوصل إليه عنده العجز عن معرفة الله، فسبيل معرفة الله دلالة الآيات الكونية عليه، ومن تفسير التأله عندهم التحير، وغاية ما يوصل إليه هذا النظر معرفة الغرض وهو أن الله لم يخلق كل ذلك باطلا كما سيأتي كلامه في هذا. ، إضافة إلى المصطلحات الكلامية الواضحة في هذا النص.بينما سعد أهل الحديث والأثر بالاستدلال بهذا الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم 1788، وضعفه غيره، ولكن معناه تدل عليه نصوص صحيحة، فأثبتوا لله ذاتا على ما يليق بجلاله بلا كيف. فلما كان تعظيم المتكلمين للعقول كان من نصيبهم العجز والتحير، ولما أخذ أهل الأثر بصحيح المنقول ، الذي يوافقه العقل الصحيح فغلبوا المنقول في الإخبار عن الغيبيات، سعدوا بزيادة الإيمان بالتفكر في آيات الله وأراح النقل عقولهم بإثبات ما أثبته الباري عز وجل لنفسه مع تنزيه، وبنفي مع إثبات كمال الضد، قال البربهاري في شرح السنة ص68: "[44] والفكرة في الله تبارك وتعالى بدعة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله» . فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب". وأما إثبات صفات الله عز وجل التي صح بها النص فقال عنها البربهاري رحمه الله قبل هذا النقل ص65--68: "42 وكل ما سمعت من الآثار شيئا مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل وقوله إن الله ينزل إلى السماء الدنيا وينزل يوم عرفة وينزل يوم القيامة وإن جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه وقول الله تعالى للعبد إن مشيت إلي هرولت إليك وقوله خلق الله آدم على صورته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة وأشباه هذه الأحاديث فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا ولا تفسر شيئا من هذه بهواك فإن الإيمان بهذا واجب فمن فسر شيئا من هذا بهواه ورده فهو جهمي ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله عز وجل". وكان من نتائج ذلك أن سعد أهل الأثر بأن وفقوا لمعرفة أول واجب من الواجبات وأوجبها وهو توحيد الله عز وجل بالعبادة وانشغل بهذه المعرفة المكتسبة أهل الكلام، ليثقلوا أذهانهم بالنظر للوصول إلى هذه المعرفة عندهم، فيعبد الأثري ربه على بصيرة، ويضيع المتكلم وقتا طويلا في الجدل والتحير. ثم قال الراغب رحمه الله مثنيا على هذا النظر في المصدر السابق ص155: "ولشرف متأملي ذلك قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) وقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)فنبَّه بمدحهم حيث قالوا: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أنهم عرفوا الغرض المقصود بخلقه، وذلك هو آخر الأبحاث، لأن الأبحاث أربعة: بحث عن وجود الشيء بهل هو، وبحث عن جنسه بما هو، وبحث عما يباين به غيره بأي شيء هو، وبحث عن الغرض بلم هو؟. وهذه الأبحاث ينبني بعضها على بعض، فلا تصح معرفة الثاني إلا بمعرفة الأول، ولا معرفة الثالث إلا بمعرفة الثانىِ، ولا معرفة الرابع إلا بمعرفة الثالث. وقوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) يقتضي أنهم عرفوا الأبحاث الأربعة، وإلا شهدوا بما لم يتحققوا، ومن شهد بما لم يتحقق كذب وإن كان ما يشهد به على ما شهد به، ألا ترى أن اللَّه تعالى كذب المنافقين حين قالوا: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللَّهِ) وإن كان هو رسول اللَّهفدَّلت هذه الآية على أن البحث الذي يؤدي إلى معرفة حقائق الموجودات التي تتضمن معرفة اللٌه تعالى هو من العلوم الشريفة، بخلاف قول الصم البكم العمي الذين لم يجعل اللَّه لهم نورًا؛ حيث بدَّعوا من اشتغل بمعرفة ذلك". فلكي تكون المعرفة بالله حقيقية وليست كاذبة لا بد من قطع المراحل الأربعة التي حدها، وهذا مسلك طويل اختصرته دلالة الفطرة عليه، والعقل الصحيح يسلك أقرب الطرق لمقصوده لا أبعدها، فضلا عن أن المخاطبين بالشرع أكثرهم لا يحسنون ما يحسنه المتكلمون، فكيف يكلفون بما لا يحسنون؟ ولماذا يتعبون أنفسهم فيما كفاهم الله مؤنته بأن جعله مركوزا في الفطرة الإنسانية السليمة؟ وأهل السنة كما يقول الشيخ رسلان حفظه الله في سلسلة الرد على الملاحدة في محاضرة دليل الفطرة يكتفون بدلالة الفطرة على وجود الله وقدرته وإن دل غير الفطرة على ذلك. فهذا منه على طريقة المتكلمين الذين يقولون أن أول الواجبات التفكر والنظر، وهي عنده غاية، وتأمل مصطلحاته فهي مصطلحات المتكلمين، وتأمل قوله: "فدَّلت هذه الآية على أن البحث الذي يؤدي إلى معرفة حقائق الموجودات التي تتضمن معرفة الله تعالى هو من العلوم الشريفة، بخلاف قول الصم البكم العمي الذين لم يجعل اللَّه لهم نورًا؛ حيث بدَّعوا من اشتغل بمعرفة ذلك" فإنه يعني بالصم البكم العمي الذين بدعوا القائلين بأن أول واجب النظر والتفكر وهم أهل الحديث والأثر، وها هو يعلن موقفه منهم، ومنهم أئمة أجلاء تقتدي بهم الأمة، كالشافعي وأحمد وغيرهم ممن ذم الكلام.. والراغب رحمه الله كبعض من صنف في المعاجم ليست له عناية بأسانيد ما يستدل به من أحاديث, وقد يرجح ما صح الدليل بخلافه، فمن ذلك ما ذكره في كتابه المفردات (1/790) مادة (نبو)، حيث قال :: "فالنَّبِيُّ بغير الهمْز أبلغُ من النَّبِيء بالهمْز، لأنه ليس كلّ مُنَبَّإ رفيعَ القَدْر والمحلِّ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لمن قال: يا نَبِيءَ الله فقال: «لَسْتُ بِنَبِيءِ الله ولكنْ نَبِيُّ اللهِ»، لمّا رأى أنّ الرّجل خاطبه بالهمز ليَغُضَّ منه. ". جاء في مختصر تلخيص الذهبي على المستدرك لابن الملقن (2/692) عن هذا الحديث الذي هو في كتاب التفسير برقم 255: "حديث أبي ذر: جاء أعرابي إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يا نبيء الله [فقال]: "لست بنبيء الله، ولكني نبي الله". قال: صحيح. قلت: بل منكر لم يصح. قال النسائي: حمران بن أعين ليس بثقة. وقال أبو داود: رافضي يعني المذكور في إسناده". فبنى هذا الحكم على حديث لا يصح، وغلبه على ثبوت القراءة المتواترة بهما، وإذا كان هذا الشأن مع كلمة ثبتت بدليل صحيح متواتر، فكيف الشأن مع غيرها من الأحكام وبالذات مع صثات الله؟ كيف سيكون التأويل فيها باستخدام اللغة؟ وكيف يتعامل مع المجازات التي أثبتها في كتابه المفردات في صفات الله عز وجل فضلا عن غيرها من ألفاظ اللغة؟ --نماذج من تأويلاته لصفات الباري عز وجل: وهذه نماذج لبيان عقيدته عفا الله عنه: ا—تأويله للاستواء: قال الراغب في باب السين مادة (سوى): واستوى يقال على وجهين، أحدهما: يسند إليه فاعلان فصاعدا نحو استوى زيد وعمرو في كذا أي تساويا، وقال: (لا يستوون عند الله) والثاني أن يقال لاعتدال الشئ في ذاته نحو (ذو مرة فاستوى) وقال: (فإذا استويت أنت - لتستووا على ظهوره - فاستوى على سوقه) واستوى فلان على عمالته واستوى أمر فلان، ومتى عدى بعلى اقتضى معنى الاستيلاء كقوله (الرحمن على العرش استوى) وقيل معناه استوى له ما في السماوات وما في الأرض أي استقام الكل على مراده بتسوية الله تعالى إياه كقوله: (ثم استوى إلى السماء فسواهن) وقيل معناه استوى كل شئ في النسبة إليه فلا شئ أقرب إليه من شيء إذ كان تعالى ليس كالأجسام الحالة في مكان دون مكان. ا.ه فلما تكلم عن بحث مسألة لغوية ذكر الاستواء المعلوم ولكن نفاه عن الله عز وجل ففسر الاستواء لله على العرش بثلاث تفسيرات ليس فيها الاستواء على الحقيقة كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة. ب— تأويله لنظر العباد إلى الله يوم القيامة: قال في باب النون مادة (نظر): النَّظَرُ: تَقْلِيبُ البَصَرِ والبصيرةِ لإدرَاكِ الشيءِ ورؤيَتِهِ، وقد يُرادُ به التَّأَمُّلُ والفَحْصُ، وقد يراد به المعرفةُ الحاصلةُ بعد الفَحْصِ، وهو الرَّوِيَّةُ. يقال: نَظَرْتَ فلم تَنْظُرْ. أي: لم تَتَأَمَّلْ ولم تَتَرَوَّ، وقوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ [يونس/ 101] أي: تَأَمَّلُوا. واستعمال النَّظَرِ في البَصَرِ أكثرُ عند العامَّةِ، وفي البصيرةِ أكثرُ عند الخاصَّةِ، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة/ 22- 23] ويقال: نَظَرْتُ إلى كذا: إذا مَدَدْتَ طَرْفَكَ إليه رَأَيْتَهُ أو لم تَرَهُ، ونَظَرْتُ فِيهِ: إذا رَأَيْتَهُ وتَدَبَّرْتَهُ، قال: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية/17] نَظَرْتَ في كذا: تَأَمَّلْتَهُ. قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات/ 88- 89] ، وقوله: تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف/ 185] فذلك حَثٌّ على تَأَمُّلِ حِكْمَتِهِ في خَلْقِهَا. ونَظَرَ اللَّهُ تعالى إلى عِبَادِهِ: هو إحسانُهُ إليهم وإفاضَةُ نِعَمِهِ عليهم. قال تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران/ 77] ، وعلى ذلك قوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين/ 15] ، . ا.ه وقال بعد ذلك بأسطر: وأما قوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف/ 143] ، فَشَرْحُهُ وبَحْثُ حَقَائِقِهِ يَخْتَصُّ بغير هذا الكتابِ. ا.ه وعقب هذه العبارة بقوله: ويُستعمَل النَّظَرُ في التَّحَيُّرِ في الأمور. نحو قوله: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة/ 55] ، وقال: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف/ 198] ، وقال: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى/ 45] ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس/ 43] ، فكلّ ذلك نظر عن تحيُّر دالٍّ على قِلَّة الغِنَاءِ. ا.ه فانظر إليه رحمه الله يذكر أن استعمال النظر عند العامة في البصر الحسي وأن معنى النظر عند الخاصة نظر بصيرة، واستدلاله بعد ذكر النظر عند الخاصة بآية القيامة: {إلى ربها ناظرة] فأول نظر العبد إلى الله عز وجل بأنه نظر البصيرة وأن هذا المعنى عند الخاصة، وعقبه بأن النظر مد الطرف سوائ أرؤي الممدود إليه الطرف أو لم يرَ، فتأمل هذا التقسيم إلى خواص وعوام، وتأمل إلى دقة عبارته عن نفي الرؤية للباري أنه عد النظر مجرد مد الطرف سواء أشوهد المنظور إليه أو لم يشاهد، ولو كان هذا التفسير حقا لما حاجّ الله عز وجل المعاندين بالنظر إلى المخلوقات الحسية، وكان هذا الاحتجاج وسيلة دلهم عليها الباري عز وجل يستدلون بها على ربوبيته التي هي دليل على أنه المستحق للعبادة وحده، قال الله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت}، فهذا حث إلى نظر حسي مشاهد هو وسيلة للتفكر والاستدلال على ربوبية الله عز وجل وهو بهذا المستحق للعبادة وحده. والنظر المتعدي بحرف الجر (إلى) في اللغة العربية يأتي لمعنٍ أربعة, حس البصر، المقابلة، نظر القلب وذلك للمعاني، الرجاء، الرحمة والعطف. وليست العرب تعبر بالنظر المتعدي ب(إلى) للانتظار، ولا تعبر به وتقصد مجرد مد الطرف، قال ابن منظور في اللسان: نظر : النظر : حس العين نظره ينظره نظرا ومنظرا ومنظرة ونظر إليه . والمنظر : مصدر نظر . الليث : العرب تقول نظر ينظر نظرا ، قال : ويجوز تخفيف المصدر تحمله على لفظ العامة من المصادر ، وتقول نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب ، ويقول القائل للمؤمل يرجوه : إنما ننظر إلى الله ثم إليك أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك الجوهري : النظر تأمل الشيء بالعين ، وكذلك النظران بالتحريك ، وقد نظرت إلى الشيء ....... والنظارة : القوم ينظرون إلى الشيء ..... تقول العرب : دور آل فلان تنظر إلى دور آل فلان أي هي بإزائها ومقابلة لها . وتنظر : كنظر. والعرب تقول : داري تنظر إلى دار فلان ، ودورنا تناظر أي تقابل ، وقيل : إذا كانت محاذية . ويقال : حي حلال ونظر أي متجاورون ينظر بعضهم بعضا. ا.ه رحمه الله ف(نظرت إلى) الغالب فيها حس العين والمقابلة ، وللمعاني، قل فيها أن تأتي للرجاء وذلك في تعبيرات مسموعة تمنع اللغة ذاتها من إرادة النظر الحسي فيها بما لا وهم فيه ولا احتمال، وقياس آية القيامة على هذه التعبيرات يمنع منه ذكر الوجوه في الآية، والرجاء عمل قلبي، فسبحان من قوله فصل ليس بالهزل، وذكر الوجه في الآية مما قوى به ابن القيم في حادي الأرواح أن معنى الآية النظر على الحقيقة كما يليق بالله عز وجل. وأما النظر بمعنى الانتظار فلا يحتمله النظر المتعدي بحرف الجر إلى, قال ابن منظور بعد ذلك: والنظر : الانتظار . يقال : نظرت فلانا وانتظرته بمعنى واحد ، فإذا قلت انتظرت فلم يجاوزك فعلك فمعناه وقفت وتمهلت. ومنه قوله تعالى : انظرونا نقتبس من نوركم قرئ : انظرونا وأنظرونا بقطع الألف فمن قرأ انظرونا بضم الألف فمعناه انتظرونا ومن قرأ أنظرونا فمعناه أخرونا ، وقال الزجاج : قيل معنى أنظرونا انتظرونا أيضا ، ومنه قول عمرو بن كلثوم: أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا وقال الفراء : تقول العرب : أنظرني أي انتظرني قليلا ، ويقول المتكلم لمن يعجله : أنظرني أبتلع ريقي أي أمهلني . وقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة الأولى بالضاد والأخرى بالظاء ، قال أبو إسحاق : يقول نضرت بنعيم الجنة والنظر إلى ربها . وقال الله تعالى : تعرف في وجوههم نضرة النعيم قال أبو منصور : ومن قال إن معنى قوله إلى ربها ناظرة يعني منتظرة فقد أخطأ ، لأن العرب لا تقول نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته ، إنما تقول نظرت فلانا أي انتظرته ، ومنه قول الحطيئة : وقد نظرتكم أبناء صادرة للورد طال بها حوزي وتنساسي وإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين ، وإذا قلت نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكرا فيه وتدبرا بالقلب . ا.ه رحمه الله. وهكذا جاء في كتاب الله عز وجل، فلم يأت النظر المتعدي بحرف الجر إلى إلا في حس العين، قال ابن كثير في تفسير سورة الغاشية: فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه ، والسماء التي فوق رأسه ، والجبل الذي تجاهه ، والأرض التي تحته - على قدرة خالق ذلك وصانعه ، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك ، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه . ا.ه رحمه الله. ومع كل هذا فليس في النظر المتعدي ب(إلى) في كلام العرب ولا في التفاسير المعتبرة أن النظر هو مجرد مد الطرف، وإنما قيل هذا لتأويل نصوص التصريح بالنظر إلى الله عز وجل. وترك الراغب عفا الله عنه الكلام عن قول الله تعالى: {رب أرني أنظر إليك}، لأنه ليس موضع بسطه في كتابه هذا كما قال، ولا يخفى أنها لفظة من الألفاظ التي يحتاج إلى تعلمها كما قال هو نفسه عفا الله عنه في أول كتابه هذا ج1، ص6: "وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبني"ه. وأتبع ترك بيانه للنظر المتعدي ب(إلى) في هذه الآية ذكره للنظر بمعنى التحير، فهل يا ترى كان ذلك من قبيل المصادفة؟، لا سيما إذا ما كان معلوما أن من أوجب الواجبات عند من خاض مثل هذا الخوض النظر والتفكر، ومن معاني التأله التي يركزون عليها التحير، ولو ثبت ما ذهب إليه من أن النظر يأتي بمعنى التحير فلا يسلم له المفسرون من أهل الأثر تفسيره في مثل هذه الآيات ، كقول الله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} فسواء أكان المقصود بها المشركو أم معبوداتهم لا يصرف النظر عن ظاهره، وذلك إذا ما أخذ بعين الاعتبار ما صدرت به الآية وهو قول الله تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا}، قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: "﴾قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل للمشركين: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم إلى الهدى =وهو الاستقامة إلى السداد= ﴿لا يسمعوا﴾ ، يقول: لا يسمعوا دعاءكم = ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ . * * *وهذا خطاب من الله نبيَّه ﷺ. يقول: وترى، يا محمد، آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد. ولو كان أمر النبي ﷺ بخطاب المشركين، لقال: "وترونهم ينظرون إليكم"". فالآية إخبار عن جمادات وليس للجمادات تحير، ويكون معنى النظر في الآية المقابلة كما نقل آنفا من لسان العرب، قال ابن جرير بعد ذلك بسطور معقبا: قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما معنى قوله : ( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه ؟ قيل : إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئا أو حاذاه : " هو ينظر إلى كذا " ، ويقال : " منزل فلان ينظر إلى منزلي " إذا قابله . وحكي عنها : " إذا أتيت موضع كذا وكذا ، فنظر إليك الجبل ، فخذ يمينا أو شمالا " . وحدثت عن أبي عبيد قال : قال الكسائي : " الحائط ينظر إليك " إذا كان قريبا منك حيث تراه ، ومنه قول الشاعر : إذا نظرت بلاد بني تميم بعين أو بلاد بني صباح، يريد : تقابل نبتها وعشبها وتحاذى .إِذَا نَظَرْتَ بِلادَ بَنِي تَمِيمٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِلادَ بَنِي صُبَاحِ يريد: تقابل نبتُها وعُشْبها وتحاذَى. * * *قال أبو جعفر: فمعنى الكلام: وترى، يا محمد، آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك، لأنه لا أبصار لهم. وقيل: "وتراهم". ولم يقل: "وتراها"، لأنها صور مصوَّرة على صور بني آدم عليه السلام. وأما على أن الآية قصد بها المشركون أنفسهم فقال الطبري في تفسيرها: "وقد روي عن السدي في ذلك ما: -١٥٥٣٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك هم لا يبصرون﴾ قال: هؤلاء المشركين. * * *وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: "هؤلاء المشركون"، قول الله: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا﴾ . وقد كان مجاهد يقول في ذلك، ما: -١٥٥٣٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ ، ما تدعوهم إلى الهدى. وكأنّ مجاهدًا وجّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون = فهو وجهٌ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه". يعني الطبري رحمه الله ما عبر الله عز وجل عنه صراحة في قوله: {ولهم أعين لا يبصرون بها}، أي بصر انتفاع، فلا حاجة لتأويله على التحير إذن، ويبقى النظر في قرنه بين معنى التحير في النظر بعد قول الله عز وجل: {قال رب أرني أنظر إليك}. ج—وأول الراغب نظر الله إلى العباد بالإحسان ورحمة على سبيل المجاز كما مر في النقل عنه، وذلك بدافع وهم التشبيه، ومع ورود ما يشبه هذا الكلام في تفسيري الطبري وابن كثير وجب الوقوف عنده وبيان علة التثريب على المؤول. ذكر الطبري وابن كثير ذلك في تفسير آية آل عمران، قال الله تعالى: {لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم}. قال الطبري في تفسير الآية: وأما قوله : " ولا يكلمهم الله " فإنه يعني : ولا يكلمهم الله بما يسرهم " ولا ينظر إليهم " يقول : ولا يعطف عليهم بخير ، مقتا من الله لهم ، كقول القائل لآخر : " انظر إلي نظر الله إليك " بمعنى : تعطف علي تعطف الله عليك بخير ورحمة وكما يقال للرجل : " لا سمع الله لك دعاءك " يراد : لا استجاب الله لك ، والله لا يخفى عليه خافية ، وكما قال الشاعر : دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول. ا.ه رحمه الله وبنحو هذا كلام ابن كثير رحمه الله. فالطبري وابن كثير رحمهما الله ومن وافقهما على هذا التفسير من السلف لم يكن قصدهما نفي نظر الله على الحقيقة كما يليق بجلاله سبحانه، بل فسرا الآية على ما جرى من كلام العرب في إطلاق النظر بالرحمة والتعطف، والفارق بين الطبري وابن كثير وبين المؤولة أن المؤولة يذكرون هذا التفسير نافين صفة النظر على الحقيقة وأما الطبري وابن كثير رحمهما الله فهما على عقيدة السلف في إثبات صفة النظر لله عز وجل. ومع هذا لا يصح للمؤول الاستدلال بهذه الآية على أن النظر المتعدي ب(إلى) ليس نظرا على الحقيقة، وبيان ذلك فيما جاء في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للشيخ محمد بن علي الإثيوبي , فتحت حديث 5329 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ" أَوْ قَالَ: "إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلاَءِ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ علق الشيخ الإثيوبي (39/95-96)قائلا: وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "لا ينظر الله": أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى الله كَانَ مجازًا، وإذا اضيف إلى المخلوق، كَانَ كناية، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليه نظر رحمة، وَقَالَ شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ- فِي "شرح الترمذيّ": عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن منْ نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر، وَقَالَ الكرماني: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية؛ لأن منْ اعتدّ بالشخص التفت إليه، ثم كثُر حَتَّى صار عبارة عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر، وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجاز عما وقع فِي حق غيره كناية. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره الكرمانيّ، والعراقيّ والحافظ منْ تفسير النظر بالرحمة تفسير باللازم، وهو مخالف لما أطبق عليه المحدثون منْ السلف الصالحين، منْ إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى عَلَى ظواهرها، منْ غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تأويل، ولا تعطيل، لكن هؤلاء هكذا عادتهم فِي أحاديث الصفات، مع أنهم منْ أكابر المحدّثين، يرغبون عن مذهب المحدّثين، ويسلكون فيها مسلك المتكلّمين، وما أدّاهم إلى هَذَا التأويل المتكلّف به إلا تشبيه الغائب بالشاهد، فإنهم لما اعتقدوا أن النظر فِي المخلوق لا يحصل إلا بتقليب الحدقة، قالوا: هَذَا محال عَلَى الله تعالى، نعم هو محالٌ، ولكن منْ الذي قَالَ لكم: إنه لا يحصل النظر إلا بهذا؟ أليس الله تعالى مباينا لخلقه فِي ذاته وصفاته؟، فهو سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العُلَى، فالواجب علينا أن نعتقد أنه سبحانه وتعالى ينظر إلى عباده نظرًا حقيقيًا كما يليق بجلاله، ولا يلزمنا أن نعرف حقيقة نظره، إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فكما أننا نثبت له ذاتاً، لا تشبه ذوات مخلوقه، كذلك نثبت له ما أثبت لنفسه منْ الصفات حقيقةً، لا مجازًا؛ لأن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، ولم تتعذّر هنا، وأيضًا المعنى المجازيّ الذي أولوا به يلزم منه التشبيه، فإن الرحمة هي رقة القلب، التي تقتضي العطف عَلَى المرحوم، وهذا فيه منْ التشبيه نظير ما وقع فِي معنى النظر بلا فرق، فتأمّل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد". وإذا سأل سائل كيف ينسجم تفسير النظر على الحقيقة مع الآية فالجواب في النص الآتي في المصدر نفسه: "وَقَالَ فِي "الفتح" أيضاً: ويؤيد ما ذُكر منْ حمل النظر عَلَى الرحمة، أو المقت ما أخرجه الطبراني، وأصله فِي أبي داود، منْ حديث أبي جُرَيّ: "أن رجلا ممن كَانَ قبلكم، لبس بردة، فتبختر فيها، فنظر الله إليه، فمقته، فأمر الأرض فأخذته ... " الْحَدِيث. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ادّعاه منْ تأييد الحمل المذكور فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه أثبت لله سبحانه وتعالى النظر، ثم بيّن ما ترتّب عَلَى ذلك، وهو المقت، وما بعده، ولا تعرّض فيه للحمل المذكور، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل. ا.ه حفظه الله فنبه الشيخ إلى أن النظر في الحديث على الحقيقة كما يليق بجلال الله سبحانه، بدليل ترتب المقت بعده بربط المقت بالنظر بالفاء، وهو نظير حديث عياض بن حمار المجاشعي في مسلم وغيره، وفيه, {وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم} الحديث". د—تأويله لسمع الله عز وجل: قال الراغب في مادة سمع: وإذا وصفت الله تعالى بالسمع فالمراد به علمه بالمسموعات وتحريه بالمجازاة بها نحو: (قد سمع الله قول التيتجادلك في زوجها - لقد سمع الله قول الذين قالوا) فهذا على مذهب الاعتزال. --استعماله المجاز في غير صفات الباري: استعمل الراغب رحمه الله المجاز في الصفات الإلهية وغيرها، وقد نص في أول كتابه على هذا كما مر معك في توطئة هذه السطور، وقد أكثر الراغب رحمه الله النقل من كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى وهو الكتاب الموسوم ب(مجاز القرآن) قال الراغب في مادة صبر: وقوله (فما أصبرهم على النار) قال أبو عبيدة: إن ذلك لغة بمعنى الجرأة واحتج بقول أعرابي قال لخصمه ما أصبرك على الله، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة لان ذلك معناه ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار، وقول من قال ما أعملهم بعمل أهل النار، وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارا بحال الناظر إليه، واستعمال التعجب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق. ا.ه رحمه الله. ومن أمثلته أيضا: ومن ذلك: ا—الموت بمعنى الحزن: قال الراغب في معاني الموت: الرابع الحزن المكدر للحياة وإياه قصد بقوله (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) وكرر ذلك فقال: وقوله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) فقد قيل نفى الموت هو عن أرواحهم فإنه نبه على تنعمهم، وقيل نفى عنهم الحزن المذكور في قوله (ويأتيه الموت من كل مكان) فعده قولا معتبرا وقد ذكر هذا المعنى للموت صاحب لسان العرب مصدرا بلفظة (قيل) غير معزو لقائل، ولكنه قدم تفسير الآية بأن إتيان الموت هو إتيان أسبابه إذ لو جاءهم الموت لماتوا حقا، وكلام ابن عباس الآتي عند ابن كثير في تفسير الآية مقارب لما ارتضاه صاحب اللسان من أن المقصودإتيان أسباب الموت، وإن كان جاء في تفاسير السلف أنه إتيان الموت حقيقة لكن الله قدر أنه لا يموت. قال ابن كثير: "ومعنى كلام ابن عباس ، رضي الله عنه : أنه ما من نوع من هذه الأنواع من [ هذا ] العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت ، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال; ولهذا قال : ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت )" وقال البغوي رحمه الله: "وقوله عز وجل : ( ويأتيه الموت من كل مكان ) يعني : يجد هم الموت وألمه من كل مكان من أعضائه . قال إبراهيم التيمي : حتى من تحت كل شعرة من جسده . وقيل : يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه ، ومن فوقه ومن تحته ، وعن يمينه وعن شماله . ( وما هو بميت ) فيستريح ، قال ابن جريج : تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة . نظيرها (ثم لا يموت فيها ولا يحيا ) ( الأعلى - 13 )". وكذلك نقل القرطبي رحمه الله، وهؤلاء المفسرون لم ينقلوا أن الموت يأتي بمعنى الحزن، ولا رجح ذلك صاحب اللسان، فلا يتأتى هذا إلا على سبيل من يذهب إلى المجاز في القرآن، كيف لا، وتأويل الصفات لا يستقيم إلا على القول بالمجاز في القرآن. ب-- تأويل عمى القلوب التي في الصدور: وقال الراغب: وقوله: (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) قيل العقل وقيل الروح. فأما العقل فلا يصح عليه ذلك، قال ومجازه مجاز قوله (تجري من تحتها الأنهار) والأنهار لا تجري وإنما تجري المياه التي فيها. ا.ه وقد ثبت أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود, ففي صحيح الترغيب والترهيب, (3/506)، برقم, 3723 عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لَعلكم تَظُنُّونَ أنَّ أنْهارَ الجنَّةِ أخدودٌ في الأرْضٍ؟ لا والله، إنَّها لسائِحَةٌ على وجْهِ الأرْضِ، إحدى حافَّتيْها اللَّؤْلُؤ، والأُخْرى الياقوتُ، وطينُه المِسْكُ الأُذْفرُ. قال: قلت: ما الأُذْفُرُ؟ قال: الَّذي لا خِلْطَ له.علق عليه الشيخ الألباني فقال: "[صحيح]" ونقل عن المنذري قوله "رواه ابن أبي الدنيا موقوفاً. ورواه غيره مرفوعاً، والموقوف أشبه بالصواب". علق الشيخ الألباني رحمه الله على قول المنذري في الحاشية بقوله: "قلت: إسناد المرفوع غير إسناد الموقوف، وكل منهما صحيح، فلا يعلّ بالموقوف، لا سيّما وهو في حكم المرفوع، فانظر "الصحيحة" (2513)". وما في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، وعليه فلا حاجة لحمل المعنى على المجاز، وإلا، فالعقل لا يتصور جريان نهر من غير أخدود، والمخبر عن هذا وهذا واحد، فالمخبر عن عمى القلوب التي في الصدور هو المخبر عن جريان أنهار الجنة في غير أخدود، وهو المخبر في آية الحج أن القلوب يعقل بها، وأخبر عن مراده بالقلوب بأنها التي في الصدور فقال: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون به ا، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. والخلاصة, أن كتاب المفردات يقرأ بحذر، لما فيه من التوسع في المجاز، وتأويل الصفات، وبناء الأحكام على نصوص لا تثبت. والله تعالى أعلم.